طيف أول: أكثر الوجوه هشاشة تلك التي تزعجها الحقيقة، تجلدها أول الكلمات العازمة للمضي، ويخفيها وهج الحرف الأخير!!
وفي ظل تداعيات الأزمة السودانية التي لم تعد الحرب فيها هي العامل الوحيد لإثارة القلق الدولي بعدما تفاقمت الأزمات الاقتصادية وأصبحت المجاعة واقعاً معاشاً ورواية يروي تفاصيلها المواطنون، كشفت مصادر بالأمس أن الولايات المتحدة الأمريكية بحثت مع اثنين من المسؤولين في دولتين عربيتين حلفيتين للجيش السوداني خيار إمكانية دخول قوات لحفظ السلام في السودان، ضمن رغبة واشنطن في فرض هدنة شاملة ومناقشة آليات تنفيذها بغض النظر عن موافقة طرفي الحرب. وقالت المصادر إن أحد المسؤولين وافق على الاقتراح، بينما طلب الآخر مزيداً من الوقت، وعُلل ذلك بأن الدولة التي طلبت مهلة قد تجري اتصالات مع الفريق البرهان لقبول الهدنة دون الحاجة لتدخل قوات سلام. في الوقت ذاته عبرت الخارجية الأمريكية أمس عن أنها تشعر بالقلق إزاء الخطر المتزايد للمجاعة في السودان، وقالت إننا نواصل الضغط على الأطراف من أجل وصول إنساني غير مقيد في السودان، وإن الوضع في السودان بحاجة إلى تأمين هدنة إنسانية كخطوة أولى نحو سلام دائم، ودعونا في مجلس الأمن لتحديث نظام عقوبات الأمم المتحدة رقم 1591 لمعالجة النزاع بشكل أفضل. ومعلوم أن القرار بالرغم من أنه مخصص جغرافياً لإقليم دارفور فقط، لكن الدعوة الأمريكية الأخيرة تعمل على تحديث هذا القرار وتهدف إلى توسيع نطاق حظر السلاح والعقوبات الإقليمية والجغرافية لتشمل كل الأراضي السودانية وتغطية كامل أطراف النزاع الحالي في عموم البلاد وينص القرار على فرض عقوبات فردية على الأشخاص الذين يثبت أنهم يشكلون عقبة أمام عملية السلام، أو ينتهكون القانون الدولي الإنساني لكن الحديث عن بحث الولايات المتحدة لخيار “دخول قوات حفظ سلام بغض النظر عن موافقة طرفي النزاع” يشير إلى أن واشنطن بدأت في التحول من مسار التفاوض السياسي المفتوح إلى استراتيجية الإجبار الدولي لتنفيذ الهدنة الإنسانية؛ وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية ترى أن تعنت الطرفين الميداني وصل إلى نقطة انسداد، وأن الأولوية باتت لإيقاف النزاع وحماية المدنيين بالقوة أو الضغط الدولي المباشر. فبالعودة إلى لقاءات مسعد بولس مع وزراء الدول الأربعة قبل شهر واحد، وحديثنا عن أن لقاءات بولس وبدر عبد العاطي تجاوزت الحديث عن موقف مصر المعلوم عن الحرب، وأن اللقاءات المتكررة تكشف أن هناك ما هو أكثر ، لذلك فإن أمريكا تعمل الآن على توزيع الأدوار والضغط الإقليمي عبر الحلفاء. والتقاطع بين ما تسرب عن بحث خيار قوات حفظ سلام وما تصرح به الخارجية الأمريكية يسلط الضوء على عدة نقاط جوهرية؛ فلجوء الولايات المتحدة للحديث مع دولتين إقليميتين حليفتين للجيش يعكس ترسيخ سيناريو “الضغط الشقيق”؛ فموافقة المسؤول الأول تضع خيار التدخل على الطاولة وتمنح واشنطن غطاءً إقليمياً. وطلب المسؤول الثاني الوقت لإجراء اتصالات مع قيادة الجيش يعمل كأداة ضغط غير مباشرة؛ حيث يُقال للجيش عملياً إن قبول الهدنة وطرح آليات المراقبة طوعاً يجنب السودان خيار القوات الدولية وحظر السلاح الإجباري. وتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان ومنع الإمدادات عن الطرفين هو في حد ذاته لا ينفصل عن شرعنة آليات المراقبة لتوفير غطاء أممي قانوني لأي قوات مراقبة أو حفظ سلام قد يُتفق عليها مستقبلاً أو تُفرض بقرارات من مجلس الأمن. هذا وبالإضافة إلى كرت المجاعة كغطاء أخلاقي ودولي؛ فتركيز تصريحات الخارجية على “الخطر المتزايد للمجاعة” و”الوصول الإنساني غير المقيد” يمنح أي تحرك أمريكي قادم سواء فرض هدنة أو إدخال آليات حفظ سلام او مراقبة ، المشروعية الأخلاقية والدولية بموجب مبدأ “المسئولية عن الحماية” (R2P)، مما يضعف حجج الرفض من قبل أي طرف يمنع وصول المساعدات. لذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية تمسك الآن عصاتين مع جزرة واحدة للضغط على طرفي الحرب؛ فهي تلوح بورقة العقوبات الدولية الشاملة (تعديل 1591) وفرض القوات الدولية كعصاة ثانية، بينما تعطي فرصة أخيرة عبر حلفاء المنطقة للوصول إلى هدنة إنسانية تضمن فتح المحاور الإغاثية ومنع تفاقم مجاعة كارثية. طيف أخير: #لا_للحرب قالت منظمة الصحة العالمية للشرق إن الهجمات على البنى التحتية المدنية والصحية متواصلة وتشكل مخاطر كبيرة، والهجمات على منشآت الكهرباء والوقود تؤثر سلباً على الخدمات الأساسية، بما في ذلك صون الأرواح والتدخلات الجراحية والعناية المكثفة.