أعمدة ومقالات

غير قابل للحياة

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
أقسى من الحرب… موتُ الضمير

وقبل أن تكشف “الآلية الخماسية” عن وجهها، ومنذ دعواتها واجتماعاتها الأولى قبل شهور، تحدثنا عن أن هدفها الأساسي هو شرعنة الفريق البرهان، وإتاحة فرصة للإسلاميين للتسلل عبر واجهة القوات المسلحة.

والآن يجري الترتيب لزيارة الآلية للخرطوم وإجراء لقاءات داخل السودان بحجة “الحوار السوداني – السوداني”، رغم فشل الآلية الذي أقرّ به المشاركون، إذ إن غياب القوى المدنية “صمود” وقوى إعلان المبادئ تسبب في فشلها.

هنا يبقى الهدف الرئيس لزيارة الآلية ليس الحوار السوداني، وإنما محاولة فاشلة لإضفاء الشرعية المفقودة على السلطة الانقلابية.

وأفادت مصادر موثوقة أن الفريق البرهان وضع خطة جديدة للتعامل الدولي، إذ اشترط أن يتم التواصل حول قضية وقف الحرب من داخل السودان. وبناءً على ذلك جاءت الأخبار عن زيارة مرتقبة لمجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم خلال هذا الشهر.

وكشف المصدر ذاته أن دبلوماسيين أوروبيين سيصلون أيضاً إلى السودان، بعد أن تبيّن لهم أن البرهان رهن الحوار السياسي لوقف الحرب بأن يكون داخل البلاد. ولأن الأوروبيين لا يستطيعون إغلاق باب الحوار، أوضحوا أن زيارتهم لن تمنح البرهان أو حكومته أي اعتراف، وأن النقاش سيقتصر على مسألة وقف الحرب، إدراكاً منهم أن الخطوة قد تمنحه فرصة للكسب السياسي. إلا أن الحوار من أجل وقف الحرب والكارثة الإنسانية لا ينبغي أن يتوقف.

ومن هنا يتضح أن البرهان يوظّف الحرب كأداة سياسية للبقاء في المشهد، لأن استمرارها يمنحه حالة طوارئ دائمة في ظل غياب مؤسسات مدنية قادرة على محاسبته، وبهذا يجد فرصة لإعادة ترتيب السلطة لصالحه والقدرة على تعطيل عملية الانتقال المدني.

فهو يشترط أن يكون الحوار داخل السودان لكسب اعتراف ضمني بشرعيته، وإظهار نفسه كطرف لا يمكن تجاوزه. ولهذا يخطط لتحويل أي زيارة إلى الخرطوم إلى مكسب سياسي.

وهذه هي الخدعة السياسية، لكن الوصول إلى الهدف لن يتم بالخدع، وإنما بالحقيقة الماثلة والمنطق السياسي. فالأفارقة لا يستطيعون تحقيق هذه الأمنية للبرهان، فالاتحاد الأفريقي ما يزال يعلّق عضوية السودان، والاتحاد الأوروبي يرفض الاعتراف بحكومته، هذا بجانب الموقف الأمريكي والإقليمي والملاحقات القانونية والاتهامات الدولية بارتكاب جرائم حرب واستخدام أسلحة كيماوية. فالمجتمع الدولي يتعامل معه اضطراراً بسبب الحرب، لا اعترافاً بشرعية حكمه. إذن، الزيارات هي لإدارة الأزمة وليست اعترافاً سياسياً.

لذلك ما يقوم به البرهان هذه الأيام هو محاولة لصناعة شرعية مفقودة يحاول أن يظهر بها أمام الداخل والخارج كـ”رأس الدولة”، وهذا يدل على مركب النقص السياسي الذي يفتقده الجنرال، ويحاول من خلاله استثمار وجود وفود دولية ليمنحه الشعور بأنه رئيس، وأن القوى الدولية تتعامل معه كقائد شرعي.

لكن هذا لا يغيّر شيئاً في الشرعية الفعلية، بل يعد محاولة لاستثمار الأزمة لتحقيق غاية الرئاسة من أرضية منهارة.

فالجنرال بهذه الحيل قصيرة الأجل لا يضع الكارثة الإنسانية في مركز المشهد، بل يضع صورته السياسية، وهو ما يؤكد أنه يستخدم الحرب كمنصة لإعادة إنتاج الشرعية، لا ككارثة يجب وقفها.

وهذا وحده كافٍ ليجعل الخطوة أسوأ استثمار سياسي، لأن الشرعية تُبنى عبر حماية الناس، لا عبر استغلال مأساتهم. ويتجاهل لحظة يفترض أن يكون فيها التركيز على وقف الحرب أولاً، فالشرعية لا تُبنى وسط الموت والركام.

فالمجتمع الدولي الذي يحرص على الحوار مع الجنرال يؤكد أنه يتعامل مع السودان باعتباره أكبر كارثة إنسانية، لا كمنصة لصناعة الشرعية.

والبرهان بمحاولاته المتواضعة ونظرته الضيقة يجعل مشروعه السياسي وحلمه غير قابل للحياة، لأنه يحاول بناء دولة بأدوات “سلطة”، لا بأدوات “حكم”.

فالشرعية الدولية والإقليمية شبه معدومة، والكارثة الإنسانية تهدم أي مشروع سياسي. فإن أي تغيير على الأرض ينسف خطة البرهان، لأن مشروعه يعتمد على السيطرة الكاملة، بينما الحرب ما زالت مفتوحة، والشرعية الدولية غائبة.

طيف أخير:

لا_للحرب

كشفت مصادر خاصة أن السفير نور الدين ساتي قام بزيارة سرية للقيادي بالمؤتمر الوطني أحمد هارون. والغريب أن ساتي خرج ليتحدث عن إعجابه الشديد بذكاء أحمد هارون.

هذه الزيارة لمهندس حرب وملاحق دولياً ومطلوب للمحكمة الجنائية، أين تضع السفير ساتي سياسياً ودبلوماسياً؟ وهل سيجلس الرجل بين القيادات الدولية في المقعد ذاته الذي كان يقدم فيه نفسه كشخصية مدنية مستقلة؟

وما هو ذكاء هارون الذي أثار إعجابه؟!
هل هو الذكاء الذي يجعل صاحبه مجرماً مدمراً لوطنه وقاتلاً لشعبه؟!
أم ماذا??

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة