أعمدة ومقالات

أهم محطات حوار مسعد بولس في «سكاي نيوز عربية».. ومآلات الموقف الأمريكي الراهن..

( A )

بقلم السفير الصادق المقلي .

لم يكن حوار مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مع «سكاي نيوز عربية» مجرد حديث جديد عن الحرب السودانية، وإنما حمل في طياته إشارات سياسية وقانونية مهمة إلى طبيعة المقاربة الأمريكية للمرحلة المقبلة.
فالحديث لم يتوقف عند الهدنة الإنسانية أو وقف إطلاق النار، وإنما امتد إلى مستقبل السلطة في السودان، وطبيعة الحوار السياسي المقبول دولياً، وملف الأسلحة الكيميائية، والعقوبات الأمريكية، وتوسيع حظر السلاح، ثم إلى ما يمكن أن تفعله واشنطن إذا تعثر المسار الدبلوماسي.
ومن هنا، فإن أهمية الحوار لا تكمن في كل تصريح منفرد، وإنما في الصورة التي ترسمها مجمل التصريحات عن الموقف الأمريكي الراهن ومآلاته المحتملة.

أولاً: واشنطن لا تعترف بالحكومة السودانية.. لكنها تتعامل معها كحكومة أمر واقع.
أهم ما ينبغي تثبيته منذ البداية هو التمييز بين التعامل مع سلطة قائمة بحكم الواقع De facto وبين الاعتراف بها باعتبارها حكومة شرعية بصورة قانونية أو دستورية De jure.
فبحسب تصريحات بولس، الولايات المتحدة لا تعترف رسمياً بالحكومة السودانية،كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي و الاتحاد الأفريقي..فلكها تتعامل معها باعتبارها سلطة أمر واقع، كما لا تعترف بأي حكومة موازية، وتتمسك بوحدة السودان.
وهذا يعني أن واشنطن تتعامل مع السلطة القائمة في الخرطوم عندما يتعلق الأمر بملفات الحرب والسلام والشأن الإنساني، من دون أن يعني ذلك منحها اعترافاً سياسياً كاملاً باعتبارها نتاجاً لمسار دستوري مستقر.
واللافت هنا أن هذا الموقف ليس وليد الحرب وحدها.
فالأزمة بين السودان والمجتمع الدولي سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023، وترتبط بصورة أساسية بالانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 وما ترتب عليه من تعطيل للمسار الانتقالي.
ولهذا فإن إنهاء الحرب، في التصور الأمريكي، لا يبدو كافياً وحده لإعادة السودان إلى وضعه الطبيعي في علاقاته الدولية.
فالعودة إلى وضع سياسي طبيعي تتصل، في الرؤية الأمريكية، باستعادة مسار دستوري يقود إلى حكومة مدنية وانتقال ديمقراطي.
وهذا يفسر جانباً من المواقف التي اتخذتها مؤسسات دولية وإقليمية تجاه السودان منذ انقلاب أكتوبر 2021، بما في ذلك تعليق الاتحاد الأفريقي لأنشطة السودان ومشاركته، وربط استعادة العلاقات الطبيعية بعودة المسار الدستوري.
وبالتالي فإن الحرب ليست في نظر واشنطن أصل الأزمة كلها، وإنما هي مرحلة تفاقمت فوق أزمة سياسية ودستورية سابقة عليها.
ثانياً: لا اعتراف بحكومة موازية.. ولا قبول بحوار سوداني غير جامع
الموقف الثاني اللافت هو أن واشنطن لا تعترف بأي حكومة موازية، وهو موقف يتسق مع تمسكها بوحدة السودان.
لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن واشنطن تعتبر أي حوار سوداني ـ سوداني حواراً مقبولاً لمجرد أنه سوداني.
فالمعيار الذي تطرحه هو مدى شمول العملية السياسية وتمثيلها للقوى السياسية والمجتمعية السودانية.
ومن هنا يمكن فهم موقفها من الحوارات والمبادرات التي تجري خارج الإطار الأوسع الذي تدفع به اللجنة الخماسية والرباعية والشركاء الإقليميون والدوليون.
والرسالة إلى المبادرات المحدودة، ومن بينها الحوار الذي ارتبط بأسماء مثل أديب وعثمان ميرغني، تبدو واضحة: إذا لم تتحول هذه المبادرات إلى عملية سياسية جامعة، فإن مردودها الدولي سيكون محدوداً.
وبعبارة أكثر مباشرة، فإن واشنطن لا تريد حواراً شكلياً أو مغلقاً، وإنما عملية سياسية تشمل أوسع قاعدة ممكنة من القوى السياسية والمجتمعية.
وقد أكد بولس دعم واشنطن للحوار السوداني الواسع، مع استبعاد الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة، وكذلك من ارتبطت بهم جرائم حرب، وفق ما ورد في تصريحاته. وفي الوقت نفسه أكد أن القرار النهائي بشأن مستقبل السودان يعود إلى الشعب السوداني.
وهذه نقطة بالغة الأهمية:
واشنطن تريد التأثير في إطار العملية السياسية ومحدداتها، لكنها تقول إن شكل الدولة ومستقبلها يقرره السودانيون.
ثالثاً: الخماسية.. من الهدنة إلى الحكومة المدنية.
ما يطرحه بولس ليس هدنة منفصلة عن المستقبل السياسي.
فالخريطة التي تتحدث عنها واشنطن وشركاؤها تبدأ، بحسب تصريحاته، بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، ثم وقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى حكم مدني.
وبالتالي يمكن قراءة المسار باعتباره سلسلة مترابطة:
هدنة إنسانية…إيصال المساعدات …وقف إطلاق النار….عملية سياسية شاملة بملكية سودانية ….حكومة مدنية مستقلة … .
و إعادة الإعمار..
وهنا تحديداً تتجاوز الهدنة وظيفتها الإنسانية المباشرة.
إنها تصبح المدخل الأول لإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني بعد الحرب.
ولهذا فإن رفض الهدنة، من وجهة النظر الأمريكية، لا يعني فقط رفض إجراء إنساني، وإنما قد يُقرأ باعتباره رفضاً للبوابة التي تريد واشنطن وشركاؤها أن تعبر منها العملية السياسية بأكملها.
رابعاً: الهدنة لثلاثة أشهر.. لماذا الآن؟
حديث بولس عن هدنة تمتد ثلاثة أشهر، وعن تنسيق مع الأمم المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين، يأتي في ظل كارثة إنسانية متفاقمة في السودان.
وبحسب ما أعلنه، فإن واشنطن تتحرك على مسار سلمي جديد لإنهاء الحرب، وليس على أساس دعم حل عسكري للحرب.
لكن السؤال السياسي الأهم هو: هل ستكون الهدنة مجرد توقف مؤقت للقتال، أم أنها ستصبح بداية لمسار ملزم ينتقل بالسودان من الهدنة إلى التسوية؟
الإجابة التي يمكن استنتاجها من مجمل التصريحات الأمريكية هي أن واشنطن تريد الخيار الثاني.
أي أن الهدنة ينبغي أن تكون مرحلة أولى لا محطة نهائية.

خامساً: وماذا لو واجه المشروع الأمريكي الفيتو؟
هنا نصل إلى أكثر النقاط إثارة في تصريحات بولس.
فقد أشار، في معرض الرد على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستلجأ إلى خيارات أخرى في حال عرقلة مشروعها في مجلس الأمن..
إلا أن واشنطن ترى احتمالية ذلك.لكنه أضاف أنه في ظل أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم أيضا يستبعد تقويض خطوة تتعلق بالشأن الانساني.

وهذه العبارة تحتاج إلى قراءة دقيقة.
فهي لا تعني، بذاتها، أن قراراً أمريكياً بالتدخل العسكري قد اتخذ.
لكنها تعني أن الأدوات الأمريكية المحتملة لا تنحصر في الدبلوماسية أو العقوبات وحدها.
وهو استنتاج يزداد أهمية إذا وضعناه بجانب التحرك الأمريكي في مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات ومكوناتها.
فمجلس الأمن، في سبتمبر 2026، مدّد ولاية فريق الخبراء المعني بعقوبات السودان لمدة شهر ينتهي في العاشر من نوفمبر المقبل..
لكنه لم يوفق في توسيع حظر السلاح من دارفور إلى بقية أنحاء السودان، بعد معارضة روسية.
وهذا يعني أن المواجهة الدبلوماسية حول أدوات الضغط على أطراف الحرب لم تنتهِ، وإنما تأجل حسمها.
سادساً: توسيع حظر السلاح.. ولماذا المسيرات تحديداً؟
المشروع الأمريكي لم يكن مجرد توسيع جغرافي لحظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان.
بل شمل، بحسب ما أُعلن في مجلس الأمن، الأسلحة والعتاد العسكري والطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها، إلى جانب تشديد القيود على الدعم العسكري والمالي واللوجستي لأطراف الحرب.
وهذا التطور بالغ الأهمية.
فالحرب السودانية تحولت بصورة متزايدة إلى حرب مسيّرات، وأصبح السلاح بعيد المدى قادراً على نقل الحرب إلى مناطق لم تكن ساحاتها الرئيسية في المراحل الأولى.
ومن ثم فإن إبقاء حظر السلاح محصوراً في دارفور يخلق فجوة بين الخريطة الجغرافية للعقوبات والخريطة الفعلية للحرب.
ولهذا دفعت واشنطن باتجاه توسيع الحظر.
لكن روسيا عارضت ذلك، ووصفت التوسيع بأنه «خط أحمر»، بينما حذرت الصين من أن العقوبات غير المدروسة قد تؤدي إلى تعقيد الأزمة وإضعاف مؤسسات الدولة.
إذن نحن أمام خلاف دولي حقيقي داخل مجلس الأمن حول أدوات التعامل مع الحرب السودانية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة