أعمدة ومقالات

الحرب والظل السالب .. عندما يُغتال الوطن في التعليم والصحة

د. الأمين بلال مختار
September/22/2026
alaminmukhtar@hotmail
Com
لم تكن الحرب يوماً مجرد رصاص يطلق ومدافع تدوي، إنها ظل سالب يلغي الحياة كلها. ألقت بثقلها على كل شيء، تسللت إلى البيوت، فأطفأت مصابيحها، وإلى القلوب فملأتها خوفاً، وإلى الأحلام فذبحتها على عتبة المستقبل

وإذا أردت أن ترى الوجه الحقيقي لهذه الحرب، فلا تنظر إلى البيانات العسكرية ولا إلى نشرات الانتصار الزائفة، انظر إلى فصل دراسي فارغ، وإلى سرير في مستشفى بلا دواء، هناك تُكتب الهزيمة الحقيقية للوطن.

التعليم: إعدام جيل كامل

ماذا يعني أن تستمر الحرب عاماً بعد عام لطفل في السادسة؟
يعني أنه كبر بلا سبورة، بلا كتاب، بلا معلم.
يعني مدارسنا تحولت من منارات نور إلى ثكنات مهجورة، وجامعاتنا من مخابر للعقول إلى ركام يبكي على أطلال العلم.

أيها السادة، نحن لا نُخرج اليوم خريجين، نحن نطبع شهادات على ورق. طالب طب لم يرَ مشرحة، وطالب هندسة لم يدخل معملاً، وطالب تربية لم يقف أمام تلاميذ. أي مصداقية بقيت لهذه الشهادات؟

إن انعدام البيئة التعليمية ليس مجرد نقص في المباني، إنه انعدام لبيئة الأمان النفسي والاجتماعي والمعرفي. الطالب النازح الجائع الخائف لا يمكن أن يبدع، والمعلم المشرد المقهور لا يمكن أن يعطي.

نحن اليوم نصنع جيلاً فاقداً للمصداقية ليس لعيب فيه، بل لأننا سلبناه حقه في التعليم الحقيقي. وهذا أخطر من هدم ألف مبنى، لأن هدم المبنى يعاد بناؤه، أما هدم الإنسان فجريمة لا تُغتفر.

الصحة: الموت المجاني*

وأما عن الصحة فحدث ولا حرج.. حدث عن أم تضع مولودها على ضوء هاتف جوال في خيمة نزوح، وحدث عن طفل يموت بلدغة عقرب لأنه لا يوجد مصل، وعن شيخ يموت بجلطة لأنه لا يوجد طريق آمن ليصل إلى مستشفى يبعد مئات الكيلومترات.

لقد حولت الحرب المرض البسيط إلى حكم إعدام، والدواء إلى عملة نادرة، والطبيب إلى مسافر يبحث عن وطن آمن في الخارج. هاجرت الكوادر، ونُهبت الأجهزة، ودُمرت المستشفيات، وبقي المواطن وحيداً يواجه الموت بلا سلاح.

أي وطن هذا الذي يموت فيه الإنسان لأنه لم يجد حبة بنادول؟

الحل: عجلوا بالسلام قبل أن نفقد الوطن

من أجل كل هؤلاء، من أجل الطالب الحائر، والمريض المقهور، والأم الثكلى، نقولها بلا تردد: عجلوا بالسلام.

نحن لا نريد سلام المنتصر والمهزوم، ولا سلام المحاصصات والصفقات، نريد سلاماً كسبياً Win-Win، سلاماً يشعر فيه الجميع أنهم رابحون، وأن الوطن لم يضق بأحد.

السلام ليس ترفاً سياسياً نتجادل حوله في الفنادق الفاخرة، السلام هو أن يعود التلميذ إلى فصله، والمريض إلى سريره، والنازح إلى بيته.

إن إعادة بناء الوطن لا تبدأ بالإسمنت، بل بوقف نزيف الدم. لا تبدأ بالحديد، بل ببناء الإنسان. فما قيمة أن نبني برجاً شاهقاً وشعبنا جاهل ومريض؟

إن من يطيل أمد هذه الحرب هروباً من المحاسبة، ومن يتاجر بمعاناة الناس ليبقى في السلطة، إنما يحرق ما تبقى من جذور هذا الوطن.

التاريخ لن يرحم، والشعب لن ينسى من باع تعليم أبنائه ودواء مرضاه من أجل كرسي زائل.

*أوقفوا الحرب الآن.. قبل أن نصبح وطناً بلا إنسان، وشهادات بلا علم، ومستشفيات بلا حياة.*ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة