أعمدة ومقالات

زفاف ابن أخ النور قبة.. احتفال عابر ام أعلان عن نفوذ وطبقة جديد؟؟

بقلم أحمد عثمان محمد المبارك

يجسد المشهد المتداول لموكب زفاف ابن أخ اللواء النور أحمد آدم، الشهير بالنور قبة وهو أحد القادة الميدانيين البارزين في قوات الدعم السريع، والذي أعلن انشقاقه لاحقاً وانضمامه للجيش السوداني، تحولاً عميقاً يتجاوز مجرد احتفال اجتماعي عابر إلى كونه تجلياً بصرياً صريحاً لإعادة تشكيل الخارطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في السودان.

فالمدينة التي ظلت لمئات السنين معقلاً للطبقة الوسطى والنخب التقليدية ذات الثقافة المحددة في مظهرها وسلوكها العمراني والاجتماعي، تشهد اليوم مزاحمة نمط جديد يفرض وجوده بقوة السلاح والمال والسيارات الفاخرة ذات الدفع الرباعي. إن اندياح هذا الموكب الفاره في أزقة أم درمان ليس مجرد استعراض للفرح، بل هو رسالة رمزية بالغة الدلالة تعلن عن صعود فئات جديدة وثقافة قادمة من الهامش أو من بيئات صحراوية ورعوية لتتمركز في قلب المركز التاريخي، في عملية إزاحة بطيئة ومباشرة لما كان سائداً ومستقراً لعقود طويلة.

و​على الصعيد الاجتماعي، يظهر هذا التبدل في صدمة الهوية التي أحدثها المظهر والتصرف العام في الوجدان الجمعي لسكان المدينة. فالمعالم الثقافية لمديتة أم درمان، التي تشكلت عبر المزيج الصوفي والوطني والطبقة الحضرية المستقرة، كانت تعتمد أشكالاً محددة من البساطة الممزوجة بالوجاهة التقليدية في المناسبات…
وقد جاء التباين الحاد في ملبس العريس واستعراضية الموكب ليكشف عن طفو ثقافات محددة كانت تتوارى بعيداً عن المركز السياسي والتاريخي، لتصبح اليوم في موقع المبادرة والاستعراض… ويمكن قراءة هذا التحول في السياق الحالي كإعادة صياغة قسرية للبنية الاجتماعية، حيث تستبدل القيم السائدة القائمة على العراقة والتعليم والتراكم الحضري بنمط يقوم على القوة والظهور الثاقب والأبهة المادية المتكلفة.

​أما من الناحية الاقتصادية، فإن انتشار هذا الكم من السيارات الفاخرة وسط مظاهر الضائقة والانهيار الاقتصادي الحاد الذي تعيشه البلاد يترجم الفجوة الطبقية الهائلة ونشأة اقتصاد الحرب أو اقتصاد التمكين الجديد.. فقد أنتجت التغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة طبقة أثرياء جديدة تراكمت ثرواتها بعيداً عن الدورة الاقتصادية الطبيعية المعتمدة على الإنتاج أو التجارة التقليدية، لتعتمد بدلاً من ذلك على نفوذ السلطة أو تجارة الموارد والنفوذ المباشر. فمثل هذا الثراء النافر الذي يتم عرضه جهاراً في شوارع وأحياء تعاني الغلاء والنزوح والتدهور الشديد في الخدمات، يعمق الإحساس بالإغلاق الطبقي والانسداد الاجتماعي لدى الطبقات الوسطى والفقيرة التي تم تجريفها بالكامل لصالح هذه الطبقة الصاعدة حديثاً…

​سياسياً، يحمل الاستعراض الجماعي الممنهج أبعاداً تتجاوز البهرجة في مناسبات الزواج المعهودة، إلى فرض الهيمنة والسيطرة على المجال العام. فمرور السيارات الفاخرة ضمن موكب شبيه بالاستعراض العسكري يبعث برسائل سياسية مفادها أن موازين القوة والنفوذ قد انتقلت بالفعل، وأن المركز القديم لم يعد يحكم أدبيات السلوك العام.. وهذا سلوك ينم عن رغبة جارفة في إعادة تعريف القوة والشرعية في الفضاء العام، حيث يتحول الزفاف إلى مسرح لتثبيت أقدام النفوذ الجديد والتأكيد على أن الثقافة والمظاهر القادمة من خلفيات محددة أصبحت هي القادرة على تسيير الشارع واحتلال الواجهة.. إنه تمثيل بصري لحالة التعديل القسري في موازين القوى السودانية، حيث تتبادل الأطراف والمراكز أدوارها التاريخية وسط حسرة النخب القديمة ودهشة الشارع الذي يراقب تداعي عالمه المألوف وولادة عالم جديد يفرض شروطه بالقوة والمال والظهور الحاد.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة