أعمدة ومقالات

تجاهل

صباح محمد الحسن

طيف أول:
لرُهَناء الوحشة في منعطفات الوقت، ولكل من ظلّلتهم الغربة وآوت أرواحهم !!

ويبدو أن زيارة وفد القوى المدنية بقيادة د. عبد الله حمدوك إلى أمريكا أصبحت حدثًا سياسيًا لافتًا أثار قلق الحكومة السودانية في بورتسودان وإعلامها ومنصاتها، والتي تخشى من تأثير هذه التحركات على الرأي العام الدولي.
فظهور المدنيين في مركز القرار العالمي، وطرحهم خطابًا مدنيًا مناهضًا للحرب، يضع الحكومة في موقف حساس أمام المجتمع الدولي، ويهدد روايتها السياسية في لحظة تحاول فيها تثبيت شرعيتها.
لذلك فإن التحركات الدولية للقوى المدنية تكشف حجم الانزعاج الرسمي من أي مسار سياسي بديل قد يبرز خارج سيطرة السلطة القائمة.
وكشفت مصادر رفيعة بالأمس أن الخارجية السودانية كتبت خطابًا غير معلن لنظيرتها الأمريكية تطلب فيه عدم التعاون مع وفد القوى المدنية المتواجد هذه الأيام في نيويورك، إلا أن الأخيرة تجاهلت الرد، مما يعني أنها اعتبرت الخطاب غير ذي قيمة.
وكشف المصدر أن الحكومة اجتمعت لمناقشة آثار زيارة القوى المدنية بقيادة عبد الله حمدوك، وطلبت من دبلوماسيتها هناك أن تقوم بكل ما في وسعها حتى لا يلتقي الوفد بمسؤولين مؤثرين في مراكز القرار الأمريكية.

وهذا يعني أن الحكومة في بورتسودان تشعر بأن تحركات القوى المدنية، ولا سيما صمود، تؤثر على صورة الحكومة أمام الولايات المتحدة، بالرغم من أنها في الأصل “ماعندها صورة.”لكنها تخشى أن يُنظر لصمود باعتباره ممثلًا سياسيًا بديلًا أو صوتًا مدنيًا له قبول دولي، وترى أن زيارة الوفد المدني قد تُضعف روايتها الرسمية حول الحرب.
كما أن إرسال خطاب سري لواشنطن يعني أن الحكومة قلقة من أن صمود قد يحصل على اعتراف أو دعم سياسي.
والخبر ليس في مخاطبة الخارجية السودانية للحكومة الأمريكية، فحكومة بورتسودان (المهضربة) من الزيارة، من المتوقع منها هذا “الطيش السياسي”، لكن النقطة الأهم سياسيًا هي تجاهل الرد عليها، مما يعني أن واشنطن لا تعتبر الحكومة في بورتسودان شريكًا موثوقًا في الملف السياسي.

والقوى المدنية جزء من الحل، فليس هناك ما يمنع الحكومة الأمريكية من فتح أبوابها لها، بينما حكومة بورتسودان طرف في الحرب.
هذا التجاهل يرسل رسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن واشنطن تقول: لسنا ملزمين بموقف الحكومة السودانية ومطالبها.
ووجود حمدوك في نيويورك، ولقاءاته المحتملة مع مراكز القرار، يعطي انطباعًا بأن هناك مسارًا مدنيًا قد ينافس الحكومة على الشرعية السياسية، لأن صمود والقوى المدنية الأخرى تتحدث بلغة المجتمع الدولي القائمة على وقف الحرب وضرورة المحاسبة واستعادة الحكم المدني، وهذا الخطاب يتطابق مع رؤية واشنطن.
فكل ما يزعج بورتسودان هو أن تفقد السيطرة على “الرواية السياسية”، فالوجود المدني في نيويورك يضعف موقف البرهان في المنصات الدولية، سيما خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويفتح الباب لاعتراف دولي بالقوى المدنية، ويجعل الحكومة تبدو معزولة سياسيًا.
فهي تعلم أن المجتمع الدولي يستمع للمدنيين أكثر من العسكريين، وهذا واقع سياسي معروف في الملف السوداني.
وخوف بورتسودان من أن تلتقي القوى المدنية بشخصيات دولية مؤثرة يعني خشيتها من أن تُبنى علاقات مباشرة بين المدنيين وواشنطن، لذلك حاولت الحد من تأثير الوفد المدني على الرأي الأمريكي.
والدبلوماسيون لا يستطيعون فعل شيء يمنع لقاءات الوفد في نيويورك أو واشنطن، خصوصًا عندما تكون هناك رغبة أمريكية في الاستماع للمدنيين.
فالدبلوماسية السودانية ليس لها حضور سوى في المنصات غير الحكومية التي تظهر فيها باسم السودان وليس باسم الحكومة، كمجلس الأمن والأمم المتحدة، لكن دبلوماسية الانقلاب ليس لها أي تأثير سياسي.
ولكن الذي يستدعي السؤال هو: كيف للحكومة السودانية أن تخاطب الولايات المتحدة الأمريكية، الجهة غير المعترفة بها؟
فقبل يومين فقط خرج مستشار ترامب ليعلن للعالم كله أنهم لا يعترفون بحكومة البرهان، ويعتبرونها طرفًا في الحرب وليس حكومة شرعية، وأن واشنطن عندما تتعامل معها، فإنما تتعامل معها بصفتها حكومة أمر واقع أو عبر مسارات أخرى.
هذا التصريح يعني دبلوماسيًا قطع الاعتراف السياسي؛ فعندما تقول دولة مثل الولايات المتحدة إنها لا تعترف بالحكومة في بورتسودان، فهذا يؤكد أنها لا تعتبرها حكومة شرعية، وبالتالي لا تتعامل معها كحكومة تمثل السودان سياسيًا، ولا تمنحها وزنًا في القرارات الدولية، ولا تعتمد روايتها الرسمية.
ومن المعلوم أن عدم اعتراف واشنطن بالحكومة لا يمنع التواصل الإداري أو إرسال الخطابات
فاستقبالها مجرد روتين إداري، لكن عدم الرد والتجاهل هو الذي يحدد الاعتراف السياسي من عدمه.

طيف أخير:
#لاـللحرب
طرح الفريق عبد الفتاح البرهان رؤيته لإنهاء الحرب المستمرة في السودان، داعيًا إلى تسوية تنطلق من الداخل، وتقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وحصر السلاح في جيش وطني واحد، وإطلاق حوار سياسي سوداني يفضي إلى دستور وانتخابات، مع رفض منح قوات الدعم السريع وضعًا مساوياً للدولة في أي عملية سياسية.
جاء ذلك في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي تحت عنوان “كيفية إحلال السلام في السودان”.
نقرأ المقال غدًا من زاوية أخرى على الأطياف.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة