لم يفقد الإنسان عمومًا السبيل إلى التعرّف على العالم تمامًا، بيد أنه ربما فقد الطريق إلى رؤيته على حقيقته كما ينبغي. فصار الجبل عنده حجرًا، والنهر ماءً، والشجر خشبًا، والطير جسدًا مجنَّحًا، والحيوان منفعةً أو عبئًا؛ حين اختزل الموجودات في وظائفها فقط، فانطفأت أسرارها أمام عينيه، وتحوَّل الكون من كتابٍ مفتوح إلى مخزنٍ مغلق. ثم جاء القرآن ليردَّ إلى الأشياء كينونتها، بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. تأمل قوله تعالى: «أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ». فالدابة ليست شيئًا عابرًا في طريق الإنسان، والطير ليس مجرد طعام يُشتهى، أو زينةً تجمِّل السماء؛ إنما هو أمة، لها عالمها ونظامها وأسرارها. ثم تأتي كلمة «أمثالكم» نفسها لتضع الإنسان في موضعه الصحيح: أمةً بين أمم، لا سيدًا في كونٍ أصم وأبكم. لكن القرآن يفتح مغاليق ذات الباب أبعد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. هنا تنقلب المسألة كلها؛ فالعالم ليس صامتًا، إنما نحن الذين لا نفقه لغته. كل شيء يسبِّح، لكن ليس كل تسبيحٍ تسمعه الآذان. هناك إذن لغة أخرى، تسكن في الحال والحركة والسكون؛ لغةٌ لا تحتاج إلى حروف، ولا يُشترط لفهمها سماع صوت. فالحجر الذي لا يتكلم قد يكون له في ملك الله كلام. والشجرة التي لا تروي قصتها قد تكون قائمةً بشكل ما في مقام من مقامات العبادة والذكر. والطير الذي لا نفهم شقشقته قد يكون منخرطًا في حوارٍ أعمق لا نملك نحن مفاتيحه بالضرورة. ومن هنا قد يصبح الصمت نفسه لغة. ولعل عبارة «كلام الطير في الباقير»، التي جرى بها المثل السوداني للدلالة على الكلام المتداخل الذي لا يُفهم، قابلةٌ لقراءة أخرى: تفسر أن الباقير لم يكن مسرحًا لكلام غامض، وإنما كانت أذهاننا المشوشة هي التي لم تبلغ مقام الفهم فيه. فالطير لا يتكلم لغزًا؛ إنما نحن الذين قد نسمع الصوت ولا ندرك الفحوى. وهنا تلوح أمامي من بعيد عبارة الفيتوري: «غيري أعمى.. مهما أصغى لن يُبصرني». فالأذن قد تستقبل الصوت، لكن ما يحمله هذا الصوت لا يُستقبل بالأذن وحدها؛ ثمة إصغاءٌ آخر، هو إصغاء القلب. ولعل في قاموس أهل الطريق حديثًا عن أولياء يكونون على أقدام بعض الأنبياء، بمعنى أن قد يلوح في بعض مقامات الولاية أثرٌ من آثار مقام نبي من الأنبياء. فإذا كان في السودان من له من قدم سيدنا سليمان نصيب، فليس المقصود أن يعود زمن المعجزات، ولا أن تتكرر النبوة؛ وإنما قد أُعطي قلب هذا الولي المفترض شيئًا من ذلك الفهم الذي يجعل للكائنات لغةً وراء أصواتها، وللصمت منطقًا وراء صمته. فسليمان عليه السلام لم يكن يسمع الطير فحسب؛ لكنه، كما قال: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾. والفرق بين السماع وفهم المنطق قد يكمن في مسافة تبدو دقيقة للغاية. الصوت يصل فيها إلى الأذن، أما المنطق فيبلغ القلب مباشرة. ومن هنا يمكن أن نفهم، دون أن نُسلِّم بكل ما يُروى أو نردَّه لمجرد غرابته، فبعض حكايات القوم تتحدث عن شيوخٍ فهموا حال دابة، أو أدركوا شكوى طير، أو خاطبوا كائنًا. ليس المهم أن نُقيم من نوع هذه الحكايات برهانًا على الخارق؛ الأهم أن نرى ما وراءها من دلالة: أن الإنسان قد يبلغ من صفاء القلب مقامًا لا تعود فيه الكائنات أشياءَ صامتة، إنما إشاراتٍ حيّة تنبض في كتاب الوجود. وهنا تقف أيضًا عبقرية التجاني يوسف بشير عند الذرة: «هذه الذرة كم تحمل في العالم سرًّا قف لديها وامتزج في ذاتها عمقًا وغورًا وانطلق في جوّها المملوء إيمانًا وبرًّا وتنقَّل بين كبرى في الذراري وصغرى ترى كل الكون لا يفتر تسبيحًا وذكرًا.» كأن التجاني لا يدعونا إلى الصعود بعيدًا بحثًا عن السر، لكن إلى النزول إليه؛ عند أصغر الموجودات، حيث قد تختبئ أوسع الدلالات. فالذرة ليست حقيرةً لصغرها؛ لكن ربما كان في صغرها نفسه درسًا يقول إن العظمة ليست في الحجم، إنما هي في ما يفتح على هذا الشيء الصغير من معنى. ومن هنا قد يصبح ما أسميه بـ«شبكة الغيب» اسمًا لذلك الخيط الخفي الذي يصل الكائن بأصله، والظاهر بسرّه، والخلق بخالقهم. لكن يظل الدخول إلى هذه الشبكة ليس انتقالًا من مكان إلى مكان؛ إنه تحوّلٌ في مقام الرؤية: أن ترى الشجرة آيةً، والدابة أمةً، والطير مسبِّحًا، والذرة سرًّا. وأن تكفَّ عن سؤال الموجودات: ماذا ستقدم لك من نفع؟ فبعض الأشياء لا تُكرَّم لأنها نافعة، وإنما لأنها مخلوقة لحكمة خالق عظيم. وهنا تكتسب حكايات الشيوخ والكائنات في الذاكرة السودانية معنى آخر. فحين يُروى عن شيخٍ أنه انتبه إلى حال دابة، أو رفق بحيوانٍ أرهقه الحمل، أو وقف أمام سبعٍ أو تمساح، فلم يره مجرد وحش أو تمساح، ولذلك لا ينبغي أن نقف طويلًا عند غرابة الواقعة؛ لكن يجب أن ننفذ بالحدث إلى فراسة الحال. فالشيخ لا يحتاج دائمًا إلى أن يسمع جملةً من الكائن؛ لكن يكفي أن يرى وجعه، فالرحمة نفسها قد تكون عينًا. وعندما تصفو هذه العين، يصبح صمت الكائن مقروءًا في لوح آخر؛ ويغدو ألم الحيوان، وعطش الطير، وإعياء الدابة، وانكسار الشجرة، إشاراتٍ تصل إلى قلب نقي قبل أن تبلغ أذنًا بها وقر. تلك هي لغة الصمت، ولعلها بعض ما يلوح في معنى القدم السليماني: ليس باعتباره امتلاكًا لأسرار الكائنات، إنما انفتاحًا بدرجة ما على منطقها؛ ليس للسيطرة على العالم، إنما لرفع الحجاب بين الإنسان وبعض ما حوله. فالذي علَّم سليمان منطق الطير هو الذي قال إن كل شيء يسبِّح، ثم أخبرنا أننا لا نفقه تسبيحه. وكأن المسألة ليست في أن الكون يحتاج إلى أن يتعلم الكلام، لكن في أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم نوعًا من الإصغاء مختلفًا. وهنا يستقيم معنى استخلافنا في الأرض: لا كسادةٍ في ملكٍ صامت، لكن كأمناء حملنا الأمانة بظلم وجهل، في أرضٍ تقطنها أممٌ أخرى، ويسبِّح فيها كل شيء بحمد خالقه. فرفقنا بالحيوان، وحفظنا للشجر، وصوننا للماء، وكفُّنا الأذى عن الطريق، ليست زوائد أخلاقية على العبادة؛ إنها من آداب السكنى في ملك الله. أنت لا تعبد الكائن، لكنك ترى فيه أثر الصنعة؛ فتوقِّر عظمتها، وتستحي من صانعك وصانعها. وحين تستقيم هذه الرؤية على هذا المنوال، لا يتغير العالم، إنما تتغير عينك أنت أيضًا. فيصبح للماء حرمة، وللشجرة مهابة، وللطير صحبة، وللجبل خشوع. وتكتشف أن الفقر لم يكن في الوجود، لكن في الرؤية التي اختزلته في عين المادة فقط. ولعل الدهشة نفسها قد تكون إحدى مفاتيحنا لشبكة الغيب: أن ترى في أصغر الأشياء ما يعصمك من استصغار وجودها. نحن أمةٌ بين أمم، ونغمةٌ بين نغمات، ومستخلفون في كونٍ يسبِّح، ولا نفقه تسبيحه كما يجب. لكن ربما كان بعض أهل الصفاء قد اقتربوا من هذه اللغة؛ لا لأنهم امتلكوا لغةً سريةً للكائنات، إنما لأنهم خفَّفوا من ضجيج الذات حتى صاروا يرون ما لا نرى، ويفهمون من الحال ما لا تقوله مقالة. على أية حال، فالصمت ليس غيابًا للكلام، فالصمت كلامٌ لم نفك شفرته لنعرف كيف نسمعه قبل أن نفهمه. وحين يخفُّ ضجيج «الأنا»، ربما تتسع الرؤية. وحين نلقي السمع ونحن شهداء، ربما نكتشف أن الكون كان يتحدث معنا طوال الوقت؛ وأن ما حسبناه صمتًا لم يكن إلا لغةً أخرى للتسبيح. وعندها، لا تكون شفرة الدخول إلى شبكة الغيب كلمةً تُقال، ولا بابًا يُفتح، ولا سرًّا يُنتزع؛ ولذا سيظل غيرنا أعمى، مهما أصغى، لن يُبصرنا، ما لم يدخل هو نفسه نوع هذه الشبكة.