سناريوهات

عروة الصادق
عروة الصادق

عروة الصادق

يكتب

إذا نظرنا إلى سلوك الحركات الأيديولوجية خاصة المتطرفة وتلك الجماعات (المخادمة) للبرهان والتي تواجه خطر الإقصاء أو فقدان النفوذ أو التفكيك كما هو حال التنظيم الإخواني وواجهاته في السودان فإنها غالبًا لا تتعامل مع التسويات السياسية بوصفها فرصًا للسلام وإنما بوصفها معارك على تعريف المستقبل وتوزيع القوة (سلطة وثروة) ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كيفية تفكير الإسلاميين السودانيين تجاه أي مساعٍ دولية أو إقليمية لإنهاء الحرب

السيناريو الأول أن يستمروا في مسعاهم لإطالة زمن الحرب لاستنزاف البدائل السياسية
وفي هذا التصور يصبح الوقت موردًا استراتيجيًا فكلما طالت الحرب، تآكلت القوى المدنية وضعفت الأحزاب وذابت لجان المقاومة وقوى الثورة وتفككت الكتل الاجتماعية وتراجع الاهتمام الدولي لأن الحروب الطويلة تخلق فراغًا سياسيًا والجماعات العقائدية المنظمة تمتلك عادة قدرة أعلى على البقاء داخل الفراغ مقارنة بالقوى المدنية المنهكة لذلك تنظر بعض دوائر الإسلاميين إلى استمرار الحرب واستدامة الصراع باعتباره بيئة أكثر ملاءمة لإعادة التموضع واستعادة النفوذ وإعادة تصميم شبكاتهم الأمنية والاقتصادية وترسيخ نهج التمكين الذي بدأت الثورة السودانية في تفكيكه وأجهض مشروعها البرهان بانقلابه في أكتوبر 2021م

السيناريو الثاني إعادة تعريف الحرب باعتبارها معركة وجودية
أي تسوية تحتاج إلى تنازلات وتسويات مؤلمة أما إذا جرى تصوير الصراع باعتباره معركة (كرامة) ومصير وهوية ووجود أو تصويرها كحرب جهادية كما نرى الترويج لذلك من قبل عصابة الحزب المحلول فإن مساحة التسوية تضيق ويصبح أي اتفاق عرضة للتشكيك والرفض والتعبئة المضادة هنا تتحول اللغة السياسية إلى لغة استنفار وتحشيد دائم، ويتراجع منطق التفاوض أمام منطق التعبئة والخوف

السيناريو الثالث إضعاف المسارات التفاوضية عبر تعدد مراكز القرار
كل عملية سلام تحتاج إلى شركاء قادرين على الالتزام بما يوقعون عليه، أما تعدد الفاعلين المسلحين وتضارب الأجندات، وظهور مراكز نفوذ متوازية فيجعل تنفيذ الاتفاقات أكثر صعوبة هذا النمط لا يتطلب بالضرورة إفشال التفاوض بصورة مباشرة يكفي رفع كلفة التسوية وتعقيد بيئتها السياسية والأمنية
السيناريو الرابع بناء تحالفات ظرفية مع قوى إقليمية أو شبكات مصالح تخشى التغيير.
الجماعات الأيديولوجية التي تواجه خطر الانكماش تميل إلى البحث عن تقاطعات مصالح مع أطراف ترى في التحول السياسي تهديدًا لمصالحها الأمنية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية هذه التحالفات قد تكون مؤقتة ومتغيرة لكنها تمنح القدرة على المناورة وإطالة أمد الصراع وأمامنا تذبذب العلاقة بين مجموعة الإسلاميين المخادمة لطهران واحتمال تضعضع إمدادها بعد إبرام اتفاق أمريكي إيراني
السيناريو الخامس الاستثمار في الفوضى الاجتماعية والقبلية
الحروب الأهلية الممتدة تضعف الهوية الوطنية الجامعة وتزيد من حضور الانتماءات المحلية والقبلية والجهوية، وفي بيئات الاستقطاب الحاد والتنوع الكبير تستطيع الجماعات العقائدية أن تقدم نفسها باعتبارها القوة الأكثر تنظيمًا وانضباطًا وقدرة على الحشد والتعبئة، ونرى ما تقوم به استخبارات الإخوان في تأجيج الفتن القبلية بين مكونات دارفور والشرق وكردفان والنيل الأزرق لحث هؤلاء المواطنين على التسلح والجاهزية للانخراط في موجة حرب أعنف مما مضى.

ولكن من ألمرجح وفق المقاربات المقارنة بين تلك السيناريوهات المطروحة ونشاط جنرالات الحرب وتقاطعهم في كثير من الملفات وصراع مجموعات النفوذ المالي والقرار السياسي واصطراع جماعات الإسلام السياسي على غنيمة السلطة وتمسك سدنة إنقلاب أكتوبر من الحركات المسلحة بحصتهم في السلطة لكل ذلك أرجح أن الذي سيحدث ليس إفشال التسوية عبر رفضها الصريح فقط وإنما عبر رفع كلفتها السياسية والأمنية وإطالة زمن الحرب وإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية بصورة تجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار فالجماعات التي ترى أن التسوية قد تقود إلى إعادة توزيع السلطة ومساءلة شبكات النفوذ القديمة تميل إلى تفضيل بيئة الصراع المفتوح على بيئة الانتقال السياسي غير المضمونة النتائج وهذا يؤكد أن معركة السودان لم تعد تدور حول السيطرة على الجغرافيا العسكرية وحدها، وإنما حول من يملك حق تعريف الدولة المقبلة وأي مسار سلام لا يعالج شبكات اقتصاد الحرب، ومراكز النفوذ الأيديولوجية وأسباب انهيار الانتقال المدني سيواجه خطر التحول إلى هدنة مؤقتة داخل صراع مؤجل لا إلى تسوية مستدامة تنهي الحرب من جذورها
لذلك لا الرباعية ولا الخماسية ولا غيرهما سيصل بالسودانيات والسودانيين إلى سلام مستدام فإما أن يصنع السودانيون مستقبلهم عن رضا أو بمزقوا وطنهم

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة