مؤشرات التعافي المزيّفة… وسماسرة الأوهام!

احمد بطران عبد القادر
احمد بطران عبد القادر

25 يونيو 2026م

احمد بطران عبد القادر

في زمنٍ الحرب والحريق الذي قضى علي الأخضر واليابس هناك انتهازيون يتاجرون بدماء وأرواح الشعب السوداني ويعملون ليل ونهار بلا خوف ولا وجل من محاسبة أو مساءلة علي سيادة ثقافة العنف والانتصار للغة البندقية وترجيح كفة استمرار الحرب لأنهم يسترزفون من معاناة الجماهير وقد ظل شغلهم الشاغل العمل علي تغبيش الوعي وخلط الرؤى وتزييف المفاهيم والحقائق حتى يُحجب الحق عن المواطن الحر الشريف فلا يرى سواتهم ويُدفع إلى غيبوبةٍ تجعله فريسة سهلة للاستغلال كوقود لحربهم الدموية وحاضنة تصدق أكاذيب و تمجد أفعالهم وتهلل لاقوالهم الكذوبة

هؤلاء الانتهازيون هم القوي الخفية التي تعمل علي تخريب العقول واستلاب إرادة الرفض أو الاحتجاج علي سياستهم أو سياسة النظام السلطوي الباطش والفاقد الشرعية الذي يخدمون
واليوم يطل علينا السيد حسن المشهور بحسن طرحة (وهذه التسمية نالها بجدارة عندما تخلي عن أهداف ومبادئ الثورة وانحاز لمنظومة الاستبداد ليصبح وزيرا) يطل علينا من شاشة قناة طيبة بتصريحٍ يصيبك بالذهول والاشمئزاز ويرسخ لتزييف الحقائق (وعند إعمال لغة العقل لا غرابة فهذا ديدنهم ) حيث قال بكل ثقة أن انهيار الجنيه أمام الدولار مؤشر جيد لأنه دليل على زيادة الطلب على الدولار وهذا يعني أن حركة الاستيراد نشطت وأن الحياة في الخرطوم بدأت تعود لطبيعتها …!

يا للسخرية! من هكذا تفكير ويا للأسف! حيث لا يزال أمثال هؤلاء تُؤخذ أقوالهم على محمل الجد ولا تُرد بعد كل هذه الدماء وليس بداية بثوار سبتمبر ٢٠١٣م الذين خان عهدهم الأستاذ حسن وليس انتهاءا بشهداء الحرب والمدن المحاصرة بالجوع والخوف والموت المجان

لكننا هنا في هذه المساحة لا نتوقف للسخرية فقط بل لنفكك هذا الخطاب علمياً وسياسياً لأن تزيين الكارثة في زمن الحرب أخطر من الكارثة ذاتها
ونسأل فمتى يكون الطلب على الدولار مؤشر تعافي؟
فعلم الاقتصاد يجيب بلا مواربة ان ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية لا يُقرأ بمعزل عن طبيعته وهناك فرق شاسع بين حالتين الاولي تطلب العملة الحرة لازكاء جزوة الاستثمارات الوطنية ورفع القدرات الإنتاجية بالبلاد باستيراد مدخلات الإنتاج والمواد الخام والتكنولوجيا لتشغيل المصانع والشركات والبنوك وتصدير منتجاتها للعالم و هنا يكون ارتفاع الطلب مؤقتاً ومصحوباً بنمو في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة في الصادرات و هذا هو الطريق إلى التعافي الحقيقي للاقتصاد
اما في حالة زيارة الطلب علي العملات الحرة بغرض استهلاكي في دولة مستنزفة تدور فيها رحى حرب عبثية ومصانعها متعطلة هامدة متوقفة وزراعتها أرض محروقة و تستورد 90% من غذائها ودوائها ووقودها لتبقي هنا يتحول ارتفاع الطلب على الدولار إلى نزيف حاد للعملة الصعبة دون أي عائد إنتاجي لتغطية العجز و في هذه الحالة يصبح الاقتصاد ( اقتصاد ريعي حربي) وهذا ينطبق بامتياز علي ما يجري في السودان فالجنيه لا ينهار لأن الخرطوم تتعافى بل لأنها تستهلك أنفاسها الأخيرة و كل دولار يُشترى هو دولار يخرج ولا يعود لا في شكل صادرات ولا استثمار و النتيجة الحتمية هي تبخر الاحتياطي والتضخم الجامح الذي يخنق الناس في الداخل والخارج وقوة شرائية تُطحن طحناً هذه ليست دورة اقتصادية صحية بل هبوط الي القاع والي المجهول
غير أن التعافي لا يُقاس بسعر الصرف وحده بل بالواقع على الأرض فالتعافي الاقتصادي له مؤشرات موضوعية لا تُجمّلها البلاغة ولا تخدعها العبارات وهي كالآتي:
١/ مؤشر الأمن وهنا نسأل الأستاذ حسن هل عادت حركة التجارة الداخلية بأمان؟ هل توقفت الجبايات الغير قانونية على الطرق؟ بالطبع لا
٢/ مؤشر الخدمات فهل يا استاذ حسن عادت الكهرباء للعمل وفق طبيعتها 24 ساعة في اليوم ؟ و هل تدفقت مياه الشرب النقية؟ هل فتحت المستشفيات أبوابها بكامل طاقتها؟
٣/ مؤشر الإنتاج فهل يا استاذ حسن عادت المصانع للعمل كما كانت؟ بل هل عاد أصحاب المال والأعمال؟ هل عادت الزراعة علي نطاق واسع وهل توقف الرصاص في مناطق الإنتاج الزراعي؟ بالطبع لا وخمسة ولايات دارفورية خارج سيطرة سلطة الأمر الواقع بالإضافة لاجزاء واسعة من كردفان الكبري ولاية النيل الأزرق
٤/ مؤشر الثقة فهل عاد رأس المال الوطني الذي غادر بفضل سياسات النظام السابق بداية ثم هرب نهائيا بعد هذه الحرب العبثية؟ و هل أودع المغتربون مدخراتهم في البنوك ؟ بالطبع لا

فطالما هذه المؤشرات غائبة يصبح الحديث عن عودة الخرطوم لطبيعتها ضرب من الخيال ومجرد أكاذيب و مساحيق تجميل لن تنطلى علي احد من أبناء شعبنا الذي أسقط دكتاتورية البشير ومازال ينتظم في مسيرة كفاح مرير لإيقاف الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي وإقامة دولة العدل والحرية والكرامة الإنسانية والحقوق الدولة المدنية الديمقراطية

الانهيار الاقتصادي و جذوره تكمن في مثلث الحرب و الاستبداد و التبعية
الحقيقة التي يهرب منها حسن في خطاب التزيين هي أن انهيار الجنيه ليس حادثاً فنياً عارضا بل نتاج ثلاثي كارثي:
١/ الحرب : معلوم بالضرورة لا اقتصاد مع الرصاص فالحرب تدمر البنى التحتية و تشرد الملايين فتفقد الأيدي العاملة ويغيب الأمان فتكون كلفة التأمين علي السلع والبضاعة والترحيل أضعافاً مضاعفة و كل يوم تستمر فيه الحرب هو انهيار للجنيه والاقتصاد وتوقف للحياة المدنية

١/ غياب الدولة الراشدة ففي ظل الحرب نصبح في
دولة الجباية التي تمول حربها بطباعة العملة وفرض الضرائب العشوائية و ليست دولة الرعاية التي توفر مناخاً جاذباً للاستثمار بجودة الخدمات والبنيات التحتية فالاستثمار لا يأتي إلى بلدٍ بلا كهرباء ولا قانون ولا أمان ولا قضاء مستقل
٣/ الضغوط الخارجية والاعتماد على المنح
في ظل الحرب تفقد الدولة رشدها سيادتها الاقتصادية وتصبح رهينة للمساعدات والديون و يتحول سعر عملتها إلى ورقة بيد قرار سياسي أجنبي والضغوط الخارجية لا تُكسر إلا باقتصاد قوي والاقتصاد القوي لا يُبنى إلا بدولة ذات سيادة حقيقية علي اجزاء الوطن
السودان لن يتعافى في ذاته ولن يتعافي في اقتصاده بتبرير انهياره المشهود بل بوصفةٍ علمية مدروسة واضحة لا تحتمل اللف والدوران وهي:
١/ إيقاف الحرب فوراً
فالرصاصة الواحدة تكلف أكثر من بناء مدرسة والقصاص يقتل المستقبل ويهتق النسيج الاجتماعي والاستقرار مرهون بإيقاف الحرب و هو المدخل الصحيح لأي إصلاح مؤسسي في الدولة واقتصادياتها
٢/ إعادة الإعمار بمنهج علمي مدروس وتوفير
بيئة جاذبة و بنية تحتية و طاقة كهربائية و و مواصلات وطرق سليمة فـرأس المال جبان لا يقامر في الأرض الخراب ومناطق النزاعات المسلحة
٣/ حكومة مدنية ديمقراطية راشدة(فالحكومة الحالية مكروهة شعبيا وغير مرحبا بها دوليا ) واول مهامها تنقل الدولة من منطق الجباية لتمويل الحرب وصناعة الاستبداد إلى منطق الرعاية لخدمة الإنسان بعدل وسويت تكون دولة مؤسسات و فصل للسلطات الثلاثة ومراقبة بعضها لبعض وأن تمنع الجريمة والفساد وتصون الحرية وترسخ ثقافة الديمقراطية وسيادة سلطة القانون فوق الجميع بلا استثناء
٤/ القطيعة الكاملة مع منظومة الاستبداد
ثلاثون عاماً من الحكم الشمولي أثبتت فشلها اقتصادياً وأخلاقياً و لا نهوض مع بقايا نظامٍ بدد الثروات وأشعل الحرائق لذا لابد من تفكيك بنية الاستبداد ومحاكمة رموز النظام السابق وتحقيق العدالة الانتقالية والجنائية وعدم التصالح مع القتلة ومن نهبوا أموال الشعب

تظل أي محاولة لتجميل اقتصاد الحرب و انهيار الجنيه السوداني مقابل العملات الاخري هي إهانة صريحة لذكاء وفطنة الشعب السوداني فالشعب النازح داخليا واللاجيء خارجيا و الواقف في صفوف الخبز والوقود والدواء يعرف الفرق جيداً بين مؤشر التعافي وبين مؤشر الانهيار ويدرك حقيقة أكاذيب انصار الاستبداد ودعاة الحرب الذين يعملون لعودة النظام البائد ليعودوا الي المناصب وكراسي السلطة لكن الشعب لا يرحم من يستغفله ولن يصمت أمام اكاذيبهم وسيفضحها لأن الوطن يستحق الحقيقة لا التزييف وبيع الأوهام

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة