أعمدة ومقالات

أكثر هشاشة

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
وكأن البعدَ عنك يا وطني
طريقٌ آخر للحنين،
وكأن الفراقَ بابٌ آخر للعودة.

ولعلّ أخطر حصارٍ سياسيٍّ يواجهه البرهان الآن هو ذلك الذي بدأت القوى المدنية في تحالف “صمود” وقوى إعلان المبادئ تطوّقه به، عندما نزعت عنه الغطاء الذي كانت تمنحه له الآلية الخماسية كمنصّة لإنتاج الشرعية.

فالقوى المدنية، بوعيها السياسي، اتخذت موقفاً استطاعت أن تحبس به الجنرال في زاوية ضيّقة، وتمنعه من توظيف الحرب كأداة للبقاء في المشهد السياسي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يُصرّ البرهان على تجديد الدعوة للقوى المدنية رغم رفضها؟

الإجابة تكمن في أن البرهان يدرك أن أي مشروع سياسي قادم لن ينجح دون غطاء مدني يمنحه شرعية شكلية أمام المجتمع الدولي، غير أن القوى المدنية تمارس عليه ضغطاً متزايداً، جعل مرحلة الحكم القادمة محفوفة بالفشل الأكيد. فكل محاولة منه لإعادة إنتاج السلطة تصطدم بجدار الرفض الشعبي والسياسي، وبحصارٍ دبلوماسيٍّ لا يترك له سوى خيار المناورة، لا الإصلاح.

إنّ هذا الضغط المتواصل من القوى المدنية هو الذي يجعل مشروع البرهان في الحكم يبدو أكثر هشاشة، لأن الشرعية لا تُستعاد بالقوة، بل تُبنى بالتوافق، وهو ما يفتقده تماماً في ظلّ استمرار الحرب وتآكل الثقة بينه وبين القوى الداعية للسلام.

إنّ رفض القوى المدنية المشاركة في أي حوار جديد مع البرهان لا يُعدّ مجرد موقف سياسي، بل هو ضربة مباشرة لمشروعه في الحكم، لأن هذا المشروع يقوم أساساً على فكرة “الغطاء المدني” الذي يمنحه شرعية شكلية أمام الشعب والمجتمع الدولي.

فحين تُغلق القوى المدنية الباب أمامه، يفقد البرهان آخر أدواته لتجميل السلطة الانقلابية، ويجد نفسه مضطراً لتكرار ذات الوجوه الجزئية التي دعمته في الحرب، وهي وجوه فقدت مصداقيتها داخلياً وليس لها تأثير خارجي.

فبغياب القوى المدنية الفاعلة يصبح باب المجتمع الدولي بلا مفتاح، واقتصاد البرهان لن يجد له منقذاً، وهذه هي العقبة الأساسية أمام مشروعه التي تجعله “يغازل” صمود ويكرر لها الدعوات ويقدّم التنازلات.

إذن، لا جديد في مشروعه سوى إعادة تدوير ذات التحالفات العسكرية والسياسية التي أثبتت فشلها، مما يجعل المرحلة القادمة نسخة باهتة من الماضي، محكومة بالانهيار تحت ضغط القوى المدنية، والعزلة الدولية، وفقدان الثقة الشعبية.

فالمعادلة واضحة: كلما رفضت القوى المدنية الانخراط، تآكلت شرعية البرهان أكثر، وكلما حاول تجديد الدعوة، أثبت أن مشروعه أكثر هشاشة وتكراراً.

ورفض القوى المدنية لا يقف عند أنه يساهم مباشرة في انهيار مشروع البرهان السياسي، بل يمكن أن يساهم في زيادة الضغوط لعدم السماح باستمرار هذه الحرب، لأن الاستمرار فيها أصلاً مشروع سياسي يهدف إلى إبقاء البرهان في الحكم. وعندما تُغلق القوى المدنية الباب أمامه، يفقد آخر أدواته لإنتاج الشرعية، فينهار الأساس السياسي الذي تقوم عليه الحرب.

كما أن رفض القوى المدنية يجبر المجتمع الدولي على التعامل مع البرهان كطرف حرب فقط.

ولماذا هاجمت القيادات الإسلامية وإعلامها “صمود” واتهموها بأنها لا تريد وقف الحرب، بالرغم من أنها ليست طرفاً في ثنائية أو ثلاثية الحرب؟

لأن الكيزان كانوا يخططون لإعادة إنتاج نفس الخدعة القديمة في 1989، عندما قدّم الترابي البشير كقائد عسكري، واختبأ التنظيم خلفه. واليوم، يريدون تقديم البرهان كقائد عسكري، ويختبئون خلفه من جديد.

فإبعاد المؤتمر الوطني خطوة لا يقوم بها البرهان، لأن المؤتمر الوطني نفسه يضع تراجعه كخطوة تكتيكية، وسيُبعد فقط من الضوء إلى العتمة، إلى المساحة الخلفية التي يجهّز فيها كتائبه عبر “الجنيد” ليظهر بقوة أكبر ويعود ليهجم على المدنية مرة ثانية.

فغضب الكيزان من “صمود” والقوى المدنية الأخرى لأنها أفشلت خطتهم للعودة عبر الجيش، ورفضها لشرعنة البرهان جعل مشروعه السياسي مكشوفاً، وأربكت خطتهم، وقطعت الطريق على إعادة إنتاج الكذبة القديمة.

وإغلاق هذا الباب في وجه الفلول والبرهان ينهي آخر الفرص السياسية للبرهان، لأنها ستسقط عنه منصة الشرعية إلى الأبد.

والقوى المدنية بذلك الموقف نجحت إقليمياً أيضاً، لأنها منعت الآلية الخماسية من أن تصبح بوابة لعودة الإسلاميين، وأعلنت أن أي عملية سياسية لا مكان فيها للقوى التي صنعت الحرب. فابتعادها كسر اللعبة التي كان البرهان والكيزان يعتمدون عليها لإنتاج الشرعية.

فإصرار البرهان على تقديم وتجديد الدعوة لـ”صمود”، ونيته “عفواً عاماً” لقياداتها – علماً أن العفو منه فيه مذلّة لأنه يثبت وجود الجرم والاتهام – ولا يأتي كمبادرة سياسية وطنية كما يدّعي، بل لأنه يحتاج “صمود” الآن لشرعنته. وهذا اعترافٌ مباشر بأن مشروعه السياسي لن ينجح بلا القوى المدنية، وأن “صمود” تحديداً أصبحت العقدة المركزية في المشهد.

لذلك، حتى ولو نجح البرهان في الضغط على قيادات مدنية لتشارك في حواره، ما لم ينجح في كسب هذا التحالف فهو خاسر، ولأن التحالف لن يضع يده على يده، فإن خسارته المبكرة مضمونة.

طيف أخير:

لا_للحرب

قدّرت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 5,135 شخصاً من 10 قرى بمحلية سربا في ولاية غرب دارفور، في أعقاب تدهور الأوضاع الأمنية واندلاع اشتباكات في قرية بئر سليبة في 8 أغسطس الجاري.

فأين هو مكان هؤلاء تحت مظلة “الحوار السوداني”؟

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة