قبل أن تسقط كل الحروف علينا أن نحصي تلك الثقوب المتسعة في قلب الورق.
وعندما ذكرنا أن الخارجية السودانية خاطبت الخارجية الأمريكية قبل يومين سرًا تطلب منها عدم التعامل مع وفد صمود، أشرنا إلى أن الأخيرة تجاهلت الرد على الطلب. لكن في بيانها بالأمس جاءت فقرة بدت كرد مباشر على الخارجية السودانية، حيث أكدت أنها “ستتعامل مع أي طرف جاد في عملية السلام” . فهل وقعت وزارة الخارجية السودانية بهذا الطلب في ما كانت تخشاه؟ وكشف خطابها” نقطة ضعف” الحكومة السودانية أمام واشنطن؟ فعندما تطلب منها عدم التعامل مع المدنيين، فهي تفضح أمرين :انزعاجًا شديدًا من وجود المدنيين في الساحة الدولية، وخوفًا من فقدان التمثيل السياسي. وهذه النقطة بالذات هي ما تبحث عنه واشنطن دائمًا: معرفة أين تتألم السلطة، وأين تشعر بالتهديد. فرفضُ الطلب السوداني دون الدخول في مواجهة مباشرة يفتح الباب لصمود أو لأي جسم مدني آخر طالما يلتزم بالسلام. وربما اختارت واشنطن الرد بهذه الطريقة لأن الرد المباشر على خطاب الخارجية السودانية كان سيُظهر اعترافًا بشرعية الخطاب أو اعترافًا بشرعية السلطة في بورتسودان، أو لأنها تدرك أن الخارجية السودانية أرادت أن يبقى الطلب سريًا. وفي الدبلوماسية يُسمّى هذا “الرد بالمبدأ العام”، وهو أقوى من الرد المباشر لأنه ينسف الطلب من جذوره دون الدخول في مواجهة لفظية مباشرة: سنتعامل مع أي طرف جاد في السلام بغض النظر عن رغبة أو رفض أي جهة أخرى. أي لن نلتزم بطلبكم، وسنتعامل مع من نراه مناسبًا، بما في ذلك صمود. وهكذا، فإن ما أرادت الخارجية السودانية فعله بالقوة المدنية جاء بنتائج عكسية، وحرم البرهان نفسه. وما حواه البيان من سطور تتعلق بعدم اعتراف أمريكا بالطرفين “أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقادتها لا يمثلون حكمًا شرعيًا أو دستوريًا للسودان، لكونهم يحكمون بقوة السلاح وحدها، وأن سلوكهما يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد”. فهذا الموقف يطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا خرج وزير الخارجية الأمريكية ليعيد ما قاله مستشار الرئيس مسعد بولس قبل يومين بأن أمريكا لا تعترف بحكومة البرهان ولا حكومة الدعم السريع؟ وهنا يتجلى أن واشنطن أرادت تحويل تصريحات بولس إلى موقف رسمي؛ فمسعد بولس كان يتحدث بلغة واضحة، لكن كلامه لا يعني بيانًا أو موقفًا رسميًا. ومن قبل وصفت الحكومة وإعلامها تصريحاته بأنها مجرد رأي لمستشار وليس موقف دولة. لذلك قررت واشنطن أن ترفع مستوى الرسالة إلى بيان رسمي، وهذا لم يأتِ صدفة، بل سعيًا لتحقيق هدف واضح وهو إعادة السلطة للشعب السوداني. فواشنطن أكدت انحيازها التام ودعمها لعملية سياسية تُنهي الحرب وتعيد الدولة لمسارها الطبيعي. هذا الموقف الرسمي هو رفضٌ صريح لشرعنة أي طرف عسكري، وفي الوقت نفسه يجدد رغبة المجتمع الدولي في هندسة انتقال سياسي يقوده المدنيون، مع قبضة اليد بالضغط المباشر على الجيش والدعم السريع معًا، طالما قالت أمريكا إن كليهما لم يُبدِ استعدادًا تامًا لقبول الهدنة. إذن، فإن عبارة: “سنتعامل مع أي طرف جاد في عملية السلام” وحدها كافية لليقين بأن أمريكا أرادت تغيير المفتاح، وأن واشنطن تبحث الآن عن شريك جديد. هذا الشريك ليس الجيش، وليس الدعم السريع، بل جهة مدنية قادرة على تقديم رؤية واضحة لوقف الحرب، ومع ذلك تقديم مشروع سياسي يضع مصلحة الشعب فوق كل المصالح. وهذا ما يجعلها تثق وتتحرك إلى مقدمة الفعل القائم على إيجاد آلية واضحة لوقف الحرب، سيما أنها ظلت تردد كثيرًا أن لديها خيارات أخرى. لكن منع البرهان من مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة وحده لا يكفي. فمع تراجع نفوذ الحكومة في بورتسودان ومنح الثقة الدولية للقوى المدنية، فإن الضغط الدولي المتزايد على البرهان لن يتوقف عند هذه النقطة. فالبيان لم يكن خطوة معزولة، بل مقدمة لمسار عدلي جديد ستستخدمه واشنطن لإحكام الطوق على الطرفين العسكريين. فملف الكيماوي هو أخطر ملف بيد أمريكا الآن، لذلك لن تعتمد على الضغط السياسي وحده، ولن تتوقف عند حدود نزع الشرعية السياسية، بل سيتحوّل الأمر إلى مسار عدلي تصاعدي بأدوات ضغط ثقيلة. فواشنطن بهذا البيان تكشف عن استعدادها التام لاستخدام جلسة مجلس الأمن القادمة كمنصة للضغط، بعد أن رفعت مستوى خطابها. وستدخل الجلسة وهي تحمل موقفًا واضحًا لتوسيع نطاق حظر الأسلحة وربطه مباشرة بانتهاكات الحرب، سيما أن بولس دعا بالأمس إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة وزيادة تكلفة النزاع على جميع المقاتلين. ولذا، فإن منع البرهان من دخول أمريكا وحده لا يكفي؛ فالمسار العدلي والضغط بملفات الجرائم والانتهاكات هو الذي يحقق السلام في السودان .
طيف أخير: #لا_للحرب
أكدت وزارة الخارجية السودانية في ردها أمس على نظيرتها الأمريكية تمسكها بالسيادة الوطنية للبلاد، ورفضت التشكيك في شرعيتها، ودعت واشنطن إلى الانخراط بشكل إيجابي مع الحكومة السودانية. حكومةٌ تُنزع منها صفة الشرعية والاعتراف بكل هذه القسوة الدبلوماسية، تطالبُ من يفعل ذلك بالتعامل معها بإيجابية “كيوت”