أعمدة ومقالات

الإدارة الأهلية بين الصلح الاجتماعي ومشروع تفكيك الوطن باسم القبيلة

د.. الأمين بلال مختار –
September/24/2026
alaminmukhtar@hotmail.com

في مشهد عبثي يتكرر كل يوم، تتدفق إلى مدينة بورتسودان وفود ومجالس وكيانات مصنوعة على عجل، تحمل لافتات براقة: “إدارة أهلية جديدة”، “مجلس شورى القبيلة الفلانية”، “تجمع كيانات المنطقة”. الهدف المعلن هو دعم الوطن، والهدف الحقيقي هو عقد صفقة جديدة مع سلطة الانقلاب وتوزيع حصص من السلطة على أساس قبلي.

هذه ليست إدارة أهلية، هذا مزاد سياسي بثوب قبلي، ومشروع مكتمل الأركان لتفكيك ما تبقى من الوطن عبر تسليح الإثنية وتسييسها. وهذا هو بالضبط مشروع الحركة الإسلامية الذي أورد السودان موارد الهلاك.

أزمة الشرعية: من فوضكم؟

السؤال الجوهري الذي يتهرب منه الجميع: من الذي فوضكم لتتحدثوا باسم القبيلة؟

هل استفتيتم أبناء القبيلة في معسكرات النزوح وفي المهجر وفي القرى؟ هل عقدتم انتخابات أو شورى حقيقية؟

الحقيقة التي يعرفها كل سوداني هي أن القبيلة ليست حزباً سياسياً. القبيلة الواحدة، بل البيت الواحد، قد تجد فيه كل الإتجاهات السياسية ؛ماننسي هنالك الثائر الرافض للحرب والمستقل. فكيف يأتي ثلاثة أفراد عينهم والي الانقلاب بقرار إداري، أو مولهم جهاز الأمن، ليصادروا إرادة مئات الآلاف ويوقعوا باسمهم تفويضاً للعسكر؟

ما يحدث هو تزوير فاضح للإرادة الشعبية. كيانات تُصنع في مكاتب بورتسودان ثم يُبحث لها عن قبيلة تتبناها، وليس العكس.

السيناريو الكيزاني: فرق تسد

من يراقب المشهد يدرك أننا أمام نسخة طبق الأصل من كتاب المؤتمر الوطني المحلول. بعد أن فشل في بناء قاعدة شعبية حقيقية، قرر أن يبني قاعدته على جماجم القبائل.

قاعدته كانت: لكل قبيلة اصنع عشرة انقسامات، لكل ناظر اصنع ناظراً موازياً، ولكل عمودية اصنع عمودية مضادة. أشعل الصراع الداخلي حتى تضعف القبيلة وتحتاج للسلطة كحكم بين أبنائها.

واليوم يُعاد نفس السيناريو بحذافيره. لماذا تُصنع إدارات أهلية جديدة الآن؟ لأن الإدارات التاريخية الأصيلة رفضت أن تكون وقوداً لحرب السلطة ورفضت أن تزج بأبنائها في محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فكان الحل هو استبدالها بإدارات موالية، وظيفتها الوحيدة هي توفير الغطاء القبلي للحرب وتجنيد الشباب كقوة احتياط للجيوش والمليشيات. والثمن، كما رأينا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، تدفعه القبيلة نفسها دماً ودموعاً ونزوحاً.

عودوا إلى خيمة الصلح

نحن لا نهاجم الإدارة الأهلية، بل ندافع عنها وعن تاريخها الناصع. الإدارة الأهلية كانت وستظل صمام أمان المجتمع.

دورها مقدس وواضح: إصلاح ذات البين، رتق النسيج الاجتماعي، حل نزاعات الأرض والمرعى، حفظ السلم الأهلي، وتثبيت قيم التعايش.

وليس من دورها إطلاقاً: توقيع مذكرات تفاهم سياسية، وإعلان تأييد الحروب باسم القبيلة، والمطالبة بنصيب من السلطة، وعقد تحالفات عسكرية مع الحركات المسلحة.

ليفهم الجميع هذه الحقيقة البسيطة: عندما تدخل الإدارة الأهلية قصر الحكم من الباب السياسي، تخرج من قلوب الناس من باب الهيبة. الحكيم الذي يصبح طرفاً سياسياً لا يمكن أن يكون حكماً محايداً غداً.

السلطة للشعب وليست للقبيلة

كفى عبثاً بهذا الوطن الممزق. السلطة في كل الدنيا لا تؤخذ بالنظارة ولا بالعمدة ولا بختم القبيلة.

السلطة تؤخذ عبر القنوات المدنية المعروفة: الأحزاب السياسية ببرامجها، والنقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، عبر انتخابات حرة ونزيهة يحتكم فيها الجميع للصندوق.

من يريد أن يحكم فليخلع ثوب القبيلة، وليؤسس حزباً، وليطرح برنامجاً، وليذهب للشعب.

أما صناعة كيان جديد كل صباح، وحجز تذكرة إلى بورتسودان لأخذ صورة تذكارية مع قائد الانقلاب واستلام المظروف، فهذا ليس عملاً أهلياً، هذا ارتزاق سياسي مكشوف سيلعنه التاريخ وتلعنه الأجيال القادمة.

رسالتنا الأخيرة لأهلنا:

يا أهلنا الشرفاء في كل قبائل السودان من الشمال للجنوب ومن الشرق للغرب، انتبهوا. لا تسمحوا لأحد أن يسرق اسم قبيلتكم العظيمة ويذهب به إلى سوق الحرب ليبيعه.

قبيلتكم أكبر من كل من يدعي تمثيلها، ووطنكم أكبر من كل القبائل.

اتركوا الإدارة الأهلية للصلح، وأعيدوا السلطة للشعب.ولايصح الا الصحيح .

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة