أعمدة ومقالات

مالك عقار والحسم العسكري: ماذا استجدّ حتى نرفض التفاوض؟

بقلم السفير الصادق المقلي

في مستهل حديثه، أقرّ نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، بأن الأزمات والحروب تنتهي عادةً على طاولة المفاوضات، لكنه سرعان ما استثنى الحرب السودانية الراهنة من هذه القاعدة، متبنياً خطاباً يرفض إنهاءها بالتفاوض، ومستشهداً بمواقف الفريق البرهان التي تراهن على الحسم العسكري، ومبرراً ذلك بالانتهاكات والفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.
وهنا تبرز مفارقة سياسية وتاريخية تستحق التوقف عندها: هل يصبح التفاوض مرفوضاً لمجرد أن أحد أطراف الحرب ارتكب انتهاكات وجرائم؟ وهل كانت الحروب السودانية السابقة خالية من الفظائع والانتهاكات حتى انتهت بالتفاوض والتسويات السياسية؟
لعل مالك عقار من أكثر الشخصيات السياسية التي يصعب عليها تبنّي هذه السردية دون أن تستدعي تجربتها الشخصية والسياسية أسئلة محرجة.
فعقار قائد للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وكان حليفاً للدكتور جون قرنق، وينتمي إلى تجربة سياسية وعسكرية ارتبطت تاريخياً بالحركة الشعبية الأم. وهذه التجربة نفسها خاضت حروباً طويلة ودامية، شهدت انتهاكات جسيمة وعمليات قتل وتهجير وتشريد واسعة، سواء في جنوب السودان أو في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
ولم تكن تلك الحروب، التي امتدت في الجنوب لعقود طويلة، وفي مناطق أخرى لنحو عشرين عاماً، حروباً نظيفة أو خالية من الفظائع. ومع ذلك، لم يكن الحل هو انتظار الحسم العسكري، وإنما انتهت مراحلها الرئيسية إلى اتفاقات تفاوضية، بدءاً من اتفاقية أديس أبابا، مروراً باتفاقية السلام الشامل، وصولاً إلى اتفاقيات نيفاشا وجوبا ومسارات السلام الأخرى.
بل إن نظام الإنقاذ، الذي خاض تلك الحروب، انتهى رئيسه عمر البشير إلى الملاحقة الجنائية الدولية، كما صدرت أحكام بالإعدام بحق مالك عقار نفسه في عهد النظام السابق، على خلفية الصراع المسلح في النيل الأزرق. ومع ذلك، لم تمنع تلك الخلفية الدموية والسياسية من العودة إلى طاولة التفاوض.
فما الذي استجدّ اليوم حتى يصبح التفاوض مرفوضاً، والحسم العسكري هو الخيار الوحيد؟
ثم إن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بواقعية هذا الرهان. كيف يمكن حسم تمرد يسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، ويحظى بدعم إقليمي، وله حاضنة سياسية واجتماعية، ويمتلك قدرات عسكرية معتبرة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة؟ وكيف يمكن تجاهل تصريح وزير الدفاع بأن السودان يواجه عشرين دولة، وهو تصريح، بصرف النظر عن دقته، يعكس حجم التعقيدات الإقليمية التي تحيط بالحرب؟
هذه معطيات لم تكن متوفرة بالضرورة في حروب التمرد السابقة، ومع ذلك استمرت تلك الحروب سنوات طويلة، بل عقوداً، دون أن تحقق الأطراف فيها حسماً عسكرياً نهائياً.
ولعل عقار يدرك أكثر من غيره أن سقوط نظام الإنقاذ لم ينهِ كل بؤر التمرد؛ فقد ظلت مناطق مثل كاودا وجبل مرة خارج السيطرة الكاملة للدولة. وهذا وحده يكشف أن الحروب لا تنتهي بالضرورة بمجرد إعلان النصر أو امتلاك تفوق عسكري في بعض الجبهات.
إن إدانة انتهاكات الدعم السريع واجب لا خلاف عليه، والمساءلة الجنائية عن الجرائم المرتكبة ضرورة لا ينبغي التنازل عنها. لكن تحويل هذه الإدانة إلى مبرر لإغلاق باب التفاوض هو خلط بين مسارين مختلفين: مسار إنهاء الحرب، ومسار العدالة والمحاسبة.
فالتفاوض لا يعني العفو عن الجرائم، ولا يمنح الحصانة للمجرمين، ولا يلغي حق الضحايا في العدالة. كما أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة التسليم السياسي أو العسكري للطرف الآخر.
المشكلة أن خطاب الحسم العسكري يتجاهل سؤالاً جوهرياً: ماذا لو تعذر الحسم؟ وكم من الأرواح والممتلكات والموارد ينبغي أن تُستنزف قبل أن نكتشف أن الطريق إلى السلام لا يمر إلا عبر تسوية سياسية، مهما كانت صعبة ومكلفة؟
إن أخطر ما في هذا الخطاب هو أنه لا يقدم تصوراً واضحاً لليوما السودانيون وحدهم.
لقد جرّب السودان الحرب لعقود، وجرب السلاح، وجرب الرهان على النصر العسكري، ولم تكن النتيجة سوى مزيد من الانقسام والدمار. فلماذا نصرّ اليوم على إنكار دروس التاريخ؟
الحسم الحقيقي ليس بالضرورة القضاء على الخصم عسكرياً، بل إنهاء الحرب، واستعادة الدولة، وإقامة سلام عادل، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم بحق السودانيين، دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
فما الذي استجدّ يا مالك عقار؟ أم أن التفاوض كان خياراً مشروعاً عندما كنت طرفاً في الحرب، وأصبح خيانة عندما أصبحت جزءاً من السلطة؟..
و لعل السؤال الذي مللنا من تكراره.
قبل أن يصر عقار علي خيار الحسم العسكري… فليحدثنا.. كم ستكون من زياده في تكلفة الحرب الماديه و البشرية.. كم منا من يموت اما قصفا.. او جوعا. او بسبب انقطاع التيار الكهربائي و هو في غرفة غسيل الكلي.. كم من نازح و كم من لاجئ إضافي.
و اهم من ذلك.. هل فكر عقار في اليوم التالي حتي و لو تم حسم النزاع عسكريا.
اتبرع له بالإجابة…

الانتصار لن يفعل شيئا غير العودة بالوطن إلى مربع انقلاب أكتوبر 2021 الذي قوض مسار الانتقال الديمقراطي و الذي هو أس الداء في الازمة السودانية و في العزلة الدولية و الإقليمية.. و لن تجد أمامك سوي جماجم المواطنين و ركام دولة افلسها الإنقلاب و أنهكتها الحرب.. فماذا انتم فاعلون بها.
لقد آن الأوان.. حضرة نائب الرئيس.. ان تفكروا خارج صندوق التمترس في الحل العسكري… كي تخرجوا هذا الوطن مت هذا النفق المظلم.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة