طيف أول: ثمة سؤال أشعل فانوس حزنه على ضريحٍ احتضر قبل آخر شهقة للجواب!!
وكسر أحمد هارون صمته الإعلامي الطويل في تصريحاته عبر “بودكاست” في أول ظهور له منذ اندلاع الحرب، والتي بلا شك تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد سرد ذكريات تاريخية، أو تقييم أحداث سقوط النظام، أو حتى السخرية من شعارات الثورة، ولا للحديث عن الحرب. فاختيار هذا التوقيت بالذات، في ظل تسريبات عن إعادة هيكلة أجهزة الدولة الأمنية والحكومية، يكشف أن الرجل الذي اختار ولاية القضارف مخبأ له طوال سنين الحرب ظهر ليرسل رسائل بعينها فمن المقصود بهذه الرسائل؟! فبالأمس، أجابت مصادر موثوقة أن السبب الرئيس لخروج أحمد هارون هو أن ثمة صراعات آنية بين تيار أحمد هارون والفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يتجه لإعادة الفريق صلاح عبد الله قوش مديراً لجهاز الأمن والمخابرات وفق تعديل في هياكل السلطة والحكومة. وأن خيار عودة قوش يدعمه بشدة تيار علي كرتي وعدد من الإسلاميين،وأيضا بدعم كامل من الحكومة المصرية، فيما يعترض عليه بشدة تيار أحمد هارون، الذي يضم نافع علي نافع ومجموعة الرئيس المخلوع عمر البشير. وكشفت المصادر أن هارون خرج ليرسل رسالة إلى البرهان والقيادات الإسلامية الداعمة للخطة مفادها: “إنه لن يسمح بتنفيذ الخطة”. وأضافت أن تصريحات هارون هي خطاب من التنظيم للتنظيم، ولا علاقة لها بمجريات الحرب؛ لذلك لم يركز هارون على ما يدور في الميدان الآن في حربهم مع الدعم السريع، ولم يتحدث عن المعارضة بالخارج، وأن تصريحاته جاءت لمخاطبة قيادات الحركة الإسلامية وقواعدها وتذكيرهم بما فعله قوش، الذي اتهمه هارون في الحوار بخيانة الأمانة وانحيازه لمطالب الثورة؛ أي إنه قصد أن يقول إن الرجل ليس أهلاً للأمانة والثقة من جديد، في محاولة واضحة لقطع الطريق أمامه. وما سبق يعني أن أحمد هارون اضطر للخروج للعلن لوضع خطوط حمراء مباشرة أمام قيادة الجيش والأطراف الإقليمية، مما يعني أن التيار “الصقوري” داخل المؤتمر الوطني لن يقبل بأن تُبنى معادلة ما بعد الحرب على حساب استبعادهم، أو باستحضار شخصيات أمنية تاريخية كصلاح قوش لقطع الطريق عليهم. والرجل له من الكتائب الإسلامية والمستنفرين وقطاعات إسلامية أخرى ترى نفسها أنها تخوض المعارك في الميدان كحلفاء للجيش؛ فخروج هارون يرسل تحذيراً شديد اللهجة بأن أي محاولة لتغيير التحالفات أو تمكين “تيار يلتف على تيار آخر” داخل المؤسسة الأمنية قد يؤدي إلى شق صف الجبهة الداخلية الموالية للجيش، مما يهدد الاستقرار الميداني والسياسي في أحرج لحظات الحرب. ويبدو أن محور علي كرتي يتبنى رؤية براغماتية أو تسويات سياسية ترتبط بإعادة ترتيب المشهد عبر شخصيات ذات خبرة أمنية مثل صلاح قوش، بهدف التعامل مع تعقيدات مرحلة ما بعد الحرب وإدارة الدولة. أما محور هارون فيتمسك بالخط الإيدولوجي المتصلب، ويرفض أي إعادة تدوير لشخصيات يعتبرونها “خائنة” لنظام الإنقاذ ولها دور في إسقاطه. فظهور هارون في هذا التوقيت ينقل الصراع داخل معسكر بورتسودان والحركة الإسلامية من الغرف المغلقة إلى العلن، محذراً من أن إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية دون إرضاء جميع أجنحة التيار الإسلامي قد يفجر صراعاً داخلياً جديداً بين التيارات الإسلامية يوازي في خطورته تحديات الحرب الحالية. ويبقى الاستفهام الأخير: كيف لسلطة في بورتسودان تسعى لنيل الاعتراف والشرعية الدولية وتؤكد التزامها بالقوانين والمواثيق الأممية، بينما يُترك متهم صادر بحقه أمر قبض دولي منذ عام 2007 (يتضمن 42 تهمة ترتقي لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية) ليتنقل ويخاطب الرأي العام بحرية كاملة دون أي محاولة لتوقيفه أو تسليمه، لولا أنه يجلس على مقعد أكبر من مقعد السلطة التي ربما لن تجرؤ على تسليمه؟! طيف أخير: #لا_للحرب أرسلت السلطات السودانية قوات بقيادة لواء من القوات المسلحة، وعناصر من الكتائب الإسلامية، إلى جانب قوات من درع السودان، في مهمة عسكرية للمملكة العربية السعودية للتصدي ومواجهة جماعة الحوثيين في اليمن. والحكومة تتكتم على الخبر وتحيطه بسياج السرية لأنها تستحي من أنها تترك حماية شعبها وبلادها التي ما زالت تحت وطأة الحرب، لتقاتل لحماية شعوب أخرى.