أعمدة ومقالات

حزب الأمة القومي يناقش بنيالا تحديات البناء التنظيمي وتداول القيادة ومستقبل العمل المؤسسي

ملتقى تفاكري بمشاركة قيادات من ولايات حكومة السلام.. وقراءة استراتيجية تدعو إلى الانتقال من الانضباط التقليدي إلى الحوكمة المؤسسية وتجديد التفويض الديمقراطي

مدنية نيوز | نيالا

نظّم حزب الأمة القومي بمدينة نيالا، العاصمة الإدارية لحكومة السلام، ملتقى تفاكرياً حول الرؤية السياسية والتنظيمية ومستقبل البناء الحزبي، بمشاركة عدد من قيادات الحزب وكوادره وممثليه في ولايات مناطق سيطرة حكومة السلام، ناقش خلاله تحديات العمل التنظيمي، وأزمة المؤسسات والقيادة، وسبل تجديد البناء الحزبي وتعزيز الديمقراطية الداخلية، إلى جانب الترتيبات المتعلقة بعقد مؤتمر جامع لإعادة ترتيب الأوضاع التنظيمية.

وشهد الملتقى تقديم ومناقشة ورقة «البناء الحزبي ومفاهيم العمل التنظيمي»، التي أعدها القيادي مدثر حسن والي بوشي في سبتمبر 2019م، ضمن ورشة التنظيم والإعلام وقضايا الشباب التي نظمها الحزب بولاية الخرطوم تحت شعار «حزب رائد لمستقبل واعد» وقدما الحبيب الصادق ضو البيت أمين التنظيم بالولاية، إلى جانب تعقيب مهم قدمه القيادي عروة الصادق، تناول فيه المرتكزات الفكرية والتنظيمية للورقة، وقيمتها التاريخية، ومدى استجابتها للتحديات التي واجهت حزب الأمة القومي خلال السنوات السبع الماضية.

من مفاهيم التنظيم إلى تحديات إعادة البناء

وتناولت الورقة أهمية العمل الجماعي والمؤسسي في الأحزاب السياسية، والعلاقة بين العضوية والقيادة، ومكونات التنظيم وهياكله، ومستويات القيادة العليا والوسطى والشعبية، وأدوار الكوادر الحزبية، وقضايا الانضباط والالتزام التنظيمي.

وأكدت أهمية الديمقراطية الداخلية والاحتكام إلى الدستور واللوائح، وتأهيل الكوادر من خلال التدريب المستمر ومدارس الكادر والورش الفكرية والسياسية، إلى جانب تعزيز العمل الجماعي واحترام المؤسسات والقرارات الصادرة عنها.

وخصصت الورقة جانباً لقضية التمويل الحزبي، محذرة من مخاطر اعتماد التنظيم على ممولين محدودين يمكن أن يؤثروا في استقلال قراره السياسي ومواقف قياداته، وداعية إلى توسيع قاعدة المساهمات المالية وتعزيز التزام العضوية بمسؤولياتها تجاه الحزب.

عروة الصادق: وحدة الحزب تحتاج إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتجدد الشرعية

وفي تعقيبه على الورقة، قدم القيادي عروة الصادق قراءة تحليلية تناولت التحولات التي مر بها الحزب منذ عام 2019م، وما أفرزته التطورات السياسية والحرب والانقسامات التنظيمية من أسئلة تتعلق بالشرعية والتفويض والتمثيل وتداول القيادة.

واعتبر التعقيب أن الورقة تمثل مساهمة مهمة في بناء الثقافة التنظيمية وتأهيل الكوادر، غير أن التطورات اللاحقة تفرض استكمال مفاهيمها وتطويرها بما يستجيب لمتطلبات العمل المؤسسي في ظروف الحرب وتعدد مراكز القرار وتباين المواقف السياسية.

وركز التعقيب على العلاقة بين الانضباط التنظيمي والديمقراطية الداخلية، وأهمية التمييز بين الالتزام بالقرارات الصادرة عن المؤسسات المختصة، وحق الأعضاء في النقد والاعتراض والمشاركة في مراجعة السياسات والقرارات وفق الدستور واللوائح.

وطرح تصوراً يقوم على أن شرعية القرار الحزبي تستمد قوتها من سلامة الإجراءات ووضوح الاختصاصات وتجديد التفويض، وأن وحدة الحزب تتعزز بوجود مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف وحسم المنازعات وضمان الحقوق والمساءلة.

وتناول التعقيب إشكالية التعامل مع التيارات والاختلافات الفكرية داخل الحزب، داعياً إلى التمييز بين التنوع السياسي المشروع والعمل الإصلاحي المؤسسي، وبين الممارسات التي تتجاوز المؤسسات أو تنشئ مراكز قرار موازية خارج الأطر الدستورية.

كما تناول العلاقة بين الولاء للمبادئ والمؤسسات والارتباط الشخصي بالقيادات، مشدداً على أهمية تحويل الموروث الفكري والسياسي والتنظيمي للحزب، وتجربة الإمام الراحل الصادق المهدي، إلى نظم مؤسسية تضمن استمرارية العمل وتجديد القيادة وانتقال المسؤوليات بين الأجيال.

مقترحات لإصلاح مؤسسات الحزب

وشمل التعقيب جملة من المقترحات التنظيمية والاستراتيجية، أبرزها تحديث سجلات العضوية، وتطوير النظام الانتخابي الداخلي، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات المركزية والولائية، وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية، ووضع آليات واضحة لمعالجة المنازعات والطعون التنظيمية.

كما دعا إلى تطوير منظومة التمويل والرقابة المالية، بما يحفظ استقلال القرار الحزبي ويحد من تضارب المصالح، وإعادة تأهيل القيادات والكوادر، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وبناء نظم حديثة للإعلام والاتصال وإدارة المعلومات.

وأكدت القراءة أهمية الانتقال من مفهوم التنظيم باعتباره أداة لتنفيذ قرارات القيادة، إلى منظومة متكاملة لإنتاج القرار السياسي ومراجعته وتنفيذه وتقييم نتائجه، مع تحديد مسؤوليات المؤسسات والقيادات وإخضاعها للمساءلة.

وتطرق التعقيب إلى أوضاع الحزب في مناطق الحرب والنزوح والمهجر، والحاجة إلى تطوير آليات تضمن استمرارية المؤسسات وحماية العضوية وتوسيع المشاركة، مع المحافظة على استقلال العمل السياسي المدني عن التأثيرات العسكرية والأمنية.

خالد أصيل: مؤتمر جامع لإعادة ترتيب البيت الداخلي

من جانبه، تناول الدكتور خالد أصيل، مساعد رئيس حزب الأمة القومي، جملة من الأسباب التي أسهمت في تراجع الأداء التنظيمي خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى ما وصفه بالمؤامرات والمشكلات التي واجهت الحزب وأثرت في تماسك مؤسساته.

ودعا أصيل إلى توحيد الصفوف وإعادة ترتيب البيت الداخلي وفق برنامج متكامل يعالج الاختلالات التنظيمية ويعزز وحدة الحزب وقدرته على الاضطلاع بمسؤولياته السياسية والوطنية.

وأوضح أن دستور الحزب يمنح الولايات الحق في إقامة مؤتمراتها إلى حين انعقاد المؤتمر العام، مؤكداً أهمية إتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة الديمقراطية، وفتح أبواب الحزب أمام الراغبين في الإسهام في تطويره وخدمة أهدافه.

وكشف عن توجه لعقد مؤتمر نوعي جامع خلال الشهر المقبل، يتيح مشاركة واسعة للقيادات والكوادر وطرح الأفكار والرؤى بشأن مستقبل الحزب، مع استثناء من وصفهم بأنهم أخلّوا بالأمانة في بورتسودان.

وأشار إلى أن المؤتمر المرتقب يستهدف إعادة ترتيب الصفوف ومعالجة الاختلالات التنظيمية وتطوير آليات العمل الحزبي.

موسى جبر: تحويل أوراق الملتقى إلى خارطة طريق للمؤتمر

وأشاد القيادي موسى جبر بالقائمين على تنظيم الملتقى والأوراق والمداخلات المقدمة، وبحضور قيادات الحزب من الولايات الواقعة ضمن مناطق سيطرة حكومة السلام.

وثمّن جبر الأفكار التي طرحها القياديان عروة الصادق والصادق ضو البيت، معتبراً أنها عكست أهمية التواصل بين الأجيال وتبادل الخبرات التنظيمية والفكرية داخل الحزب.

واقترح تحويل أوراق الملتقى ومخرجات النقاش إلى برنامج عمل متكامل يشكل خارطة طريق للمؤتمر الجامع المرتقب، بما يضمن الانتقال من تداول الأفكار إلى وضع معالجات تنظيمية قابلة للتنفيذ.

وشدد على ضرورة إيلاء قضايا الشباب والمرأة اهتماماً أكبر، وتوسيع مشاركة النساء في المؤسسات والقيادة الحزبية، والعمل على بناء تنظيم واقعي يستجيب للتحولات السياسية والاجتماعية ومتطلبات المرحلة.

كما أشاد بالجهود التنظيمية المبذولة في ولايتي جنوب وشرق دارفور، داعياً القيادات والكوادر في الولايات والمحليات إلى مراجعة الأوضاع الداخلية وتوحيد الصفوف وتجاوز الخلافات السابقة، والاستعداد للمتغيرات السياسية والتنظيمية المقبلة.

وأكد أهمية تنظيم مؤتمرات وملتقيات متخصصة للشباب والطلاب والنساء، تتضمن برامج للتأهيل الفكري والتدريب التنظيمي وتنمية القدرات القيادية.

حافظ أحمد عمر: الملتقيات التنظيمية ضرورة لتطوير الأداء

بدوره، أكد سكرتير حزب الأمة القومي بولاية جنوب دارفور، حافظ أحمد عمر، أهمية استمرار الملتقيات الفكرية والتنظيمية باعتبارها إحدى الوسائل الضرورية لمراجعة الأداء وتبادل الخبرات ومعالجة الإشكالات التي تواجه مؤسسات الحزب.

وأوضح أن العمل التنظيمي يواجه تحديات تتطلب التقييم المستمر وتحديث وسائل الإدارة والتواصل والتأهيل، بما يسهم في بناء تنظيم قوي وفاعل وقادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.

وجدد تأكيد اهتمام قيادة الحزب بولاية جنوب دارفور بتنظيم مثل هذه الفعاليات ومواصلة الجهود الرامية إلى تطوير الأداء وتوسيع المشاركة الحزبية وتعزيز التواصل بين القيادات والقواعد.

نحو مشروع متكامل للإصلاح المؤسسي

وأبرزت المناقشات أهمية الربط بين المراجعة الفكرية والتنظيمية والبرامج التنفيذية، وتطوير رؤية شاملة لإصلاح مؤسسات الحزب، تشمل إعادة بناء الهياكل، وتحديث آليات العضوية والتمثيل، وتأهيل الكوادر، وتنظيم العلاقة بين المركز والولايات، وتعزيز الديمقراطية الداخلية والرقابة والمساءلة.

كما طرح التعقيب الاستراتيجي أهمية تحديد الطبيعة الدستورية للمؤتمرات التداولية واختصاصاتها، وضمان سلامة إجراءات اختيار المشاركين وتمثيل الولايات والقطاعات المختلفة، والتمييز بين التوصيات التي تخرج بها الملتقيات والقرارات التي تتطلب إجازة المؤسسات الحزبية المختصة.

واقترح تحويل المخرجات إلى برنامج إصلاح مرحلي، يبدأ بتقييم الواقع التنظيمي ومراجعة الوثائق واللوائح، ويمتد إلى تطوير المؤسسات وتحديث إجراءات الانتخابات الداخلية وتداول القيادة، وفق جدول زمني واضح ومؤشرات لقياس النتائج.

واختتم الملتقى بالتأكيد على أهمية مواصلة الحوار والتفاكر بين القيادات والكوادر والقواعد، وتطوير المبادرات الرامية إلى إعادة بناء الحزب وتعزيز فاعلية مؤسساته، في ظل التحولات السياسية والإنسانية التي يشهدها السودان.

ويعكس انعقاد الملتقى في نيالا توجهاً لدى القيادات المشاركة لإعادة تنشيط العمل التنظيمي وتطوير أدواته في الولايات، وفتح نقاش حول مستقبل المؤسسة الحزبية وعلاقتها بعضويتها ومجتمعاتها.

وتضع الأوراق والمداخلات التي شهدها الملتقى أمام الحزب اختباراً تنظيمياً يتمثل في قدرته على تحويل النقاشات إلى إجراءات مؤسسية واضحة، تحقق التوازن بين وحدة التنظيم والديمقراطية الداخلية، وبين استمرارية القيادة وتجديد التفويض، بما يعزز استقلال الحزب وفاعليته وقدرته على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.

مدنية نيوز

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة