حين تتحول مهنة التعليم من رسالة سامية إلى تجارة خاسرة شكرا الاستاذ .هشام ابوعوف علي هذا التنبيه المهم جدا ليس التعليم مجرد وظيفة تُؤدّى في ساعات محددة، ولا مهنةً تُقاس بما تجنيه من أموال، بل هو رسالة سامية، وأمانة عظيمة، ومسؤولية أخلاقية وتربوية تتجاوز حدود الفصل الدراسي إلى صناعة العقول وبناء الأجيال. ولكن، ويا للأسف، أصبحنا نشهد بعض الممارسات التي تُثير القلق وتستوجب وقفةً جادة؛ فهناك معلمٌ يدخل الفصل، لكنه لا يمنح طلابه حقهم الكامل في الشرح والتوضيح، ولا يبذل الجهد الذي تقتضيه أمانة المهنة، وكأن الحصة الدراسية مجرد حضورٍ وانصراف، بينما يتحول اهتمامه الحقيقي إلى الاستثمار في أوراق العمل، والدروس الخصوصية، وما تدرّه من عائدٍ مادي. فأيُّ رسالةٍ هذه التي يُؤجَّل فيها العطاء داخل الفصل، ويُستكمل خارج أسواره مقابل المال؟ إن الطالب الذي يجلس أمام معلمه لا يبحث عن مجرد معلومة عابرة، بل ينتظر من يفتح له أبواب الفهم، ويزيل عنه غموض المعرفة، ويأخذ بيده نحو التفوق. ومن حقه أن يتلقى شرحًا وافيًا، وتوجيهًا صادقًا، ورعايةً تعليمية لا تخضع لمنطق الدفع والقدرة المالية. إن أوراق العمل ليست عيبًا، والدروس الإضافية ليست محرّمة، والجهد الإضافي يستحق التقدير؛ لكن العيب كل العيب أن تتحول هذه الوسائل إلى بديلٍ عن الواجب الأساسي، وأن يصبح الفصل الدراسي مساحةً ناقصة العطاء، بينما تُستنزف طاقات الطالب وأموال أسرته في سبيل الحصول على ما كان ينبغي أن يتلقاه داخل المدرسة. إن أخطر ما يواجه التعليم ليس نقص الوسائل، ولا ازدحام الفصول، بل غياب الضمير حين تتراجع الأمانة أمام إغراء المكسب. فالمعلم الحقيقي لا يجعل من حاجة الطالب إلى المعرفة فرصةً للربح، ولا يتخذ من ضعف التحصيل بابًا لتسويق الدروس، بل يرى في نجاح طلابه أعظم استثمار، وفي تفوقهم أسمى مكافأة، وفي دعواتهم الصادقة ثروةً لا تُقدّر بثمن. يا معشر المعلمين، إن التاريخ لا يخلّد من جمع الأموال من طلابه، بل يخلّد من صنع منهم علماء، وقادة، ومبدعين. وإن الأثر الذي تتركه في عقول طلابك وقلوبهم سيبقى أطول عمرًا من كل مكسبٍ مادي عابر. فلنراجع ضمائرنا قبل أن نراجع دفاترنا، ولنُعِد للتعليم هيبته، وللمعلم رسالته، وللطالب حقه. فالمعلم الذي يبيع المعرفة قد يربح المال، لكنه يخسر الرسالة؛ أما المعلم الذي يمنح المعرفة بضميرٍ حي، فإنه يربح الإنسان، ويربح الوطن، ويربح دعوةً صادقةً لا تنقطع. Adam0128855131@gmail.com د. آدم عبدالرحمن آدم أستاذ الجغرافيا والدراسات البيئية