أعمدة ومقالات
نبوءات تتكلم وأحاديث فداء تروي
الجميل الفاضل يكتب:
في السودان، لا يموت بعض الرجال كما يموت كل الناس.
يموتون، فتُفتح بموتهم أبوابٌ للتأويل، يذخر بها الوجدان الشعبي: لعلّ مثل هذا الموت لم يكن في عرف البعض مجرد موت، بل هو رحيل قرابين تقدم للفداء.
كأن هذه البلاد، حين تضيق بأهلها، تبحث في جسدها عن روحٍ هائمة تضعها على مذبح الغيب، ثم تنتظر أن ينقشع برحيلها بلاء أو وباء.
ُروى أن السيد الحسن الميرغني مات في وباءٍ ضرب كسلا، فارتفع الوباء بموته.
ويُقال إن الشيخ طه مضى في رفاعة زمن السحائي، فانكشفت بموته الغمة.
وأن الشيخ الرفيع قضي بالجدري، فتلاشى الوباء.
ثم جاء الأستاذ محمود محمد طه، فأُعدم في يناير 1985، وبعد أشهر قليلة سقط نظام نميري.
ومضى المهدي بعد فتح الخرطوم بأشهر، فقرأ بعض الناس في موته اشارةً لميلاد دولةٍ زلزلت أقدام إمبراطورية عظمى.
ثم جاء جون قرنق، فلم يمكث طويلًا في منصب النائب الأول، حتى غاب، فقرأ آخرون في غيابه فداءً فتح الطريق لميلاد دولة جنوب السودان.
وهكذا تتكرر الحكاية بوجوه مختلفة: يموت كبير، فتُفتح البلاد على وعد جديد.
كأن الوجدان الشعبي يبحث دائمًا عن معنى إضافي للموت الذي يأتي في لحظة فاصلة، فيقول: ليس هذا الموت مجرد موت إنسان؛ لقد حمل عنّا شيئًا من ثقل البلاء.
لكن القربان، في المخيال القديم، لا يكون شخصًا عابرًا.
لا بد أن يكون ذا وزن، ذا أثر، ذا مكانة تجعل موته بحجم ما يُراد رفعه من بلاء.
وهنا تلتقي الحكاية السودانية مع أقدم ذاكرة للبشرية: صعود أو صلب المسيح، كبش إسماعيل، عروس النيل، الموت الذي يفتح باب الحياة، والنار التي لا يُولد الفينيق من رمادها إلا بعد أن تلتهم كل ما كان.
غير أن السودان صاغ أسطورته بطريقته الخاصة:
إذ لم يكتفِ بأن يروي فقط سيرة موت القرابين، لكنه يروي أيضًا نبوءات الخلاص.
وهنا تبدأ قصة أخرى.
ثلاثة أصوات، من ثلاثة أزمنة، كأنها ثلاث نوافذ فتحتها الريح على مستقبل البلاد.
الأول: صوت الأستاذ محمود محمد طه.
في مساء بعيد من عام 1977، قال كلامًا ظلّ معلقًا في ذاكرة السودان حتى جاء الزمن فأعاد قراءته:
«فتنةٌ يُدخلها الإسلاميون، فتحيل النهار ليلًا، قبل أن تنتهي بينهم، ثم يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعًا».
كان الكلام يومها أبعد من السياسة، وأقرب إلى الرؤيا.
ثم جاءت الإنقاذ بعد اثني عشر عامًا، فصار الناس يعودون إلى الكلمات ذاتها كلما رأوا ظلًا منها يمر على جدار الواقع.
ثم صوت فرح ود تكتوك.
الرجل الذي كان يرى الخرطوم كأنها صفحة مفتوحة في كتاب الغيب: «تعمر حتى تصل سوبا، ثم تتفرتق طوبةً طوبة. وأم درمان، حين تبلغ جبالها، تُحرق في نهارها».
لكن، وكأن العارف لا يترك السالك في آخر النفق، فتح ود تكتوك نافذة أخرى: «تعمر البلاد عمارًا، وتسلَم سلامًا، وتصبح مقصد العرب والعجام».
كأن الخراب، في آخر خرابه، يحمل بذرة عمران.
وكأن الليل لا يأتي ليقيم، إنما ليُظهر للصبح قيمة النور.
ثم يأتي الصوت الثالث: الشيخ الشريف الناجي، من كردفان عام 1986.
وكما رُويت الرواية عن الوزير الأسبق إبراهيم منعم منصور ومن كانوا معه، تبدأ النبوءة بفوز الصادق المهدي، ثم فوضى لا يكاد العقل يصدقها، وعجزٌ عن الفعل، ثم يأتي قائد عسكري ليدخل البلاد في زمنٍ من الظلم لا يُبقي للظلم معنى: قتلٌ، وسجون، وتعذيب، وقطعٌ للأرزاق.
ثم يخلو أهل الخرطوم منها، في وقت لاحق، ويأخذون: «جرية حارة».
ثم، بعد هذا كله، تأتي اللحظة التي لا يعرف الناس كيف يصلون إليها: يُخلص البلد من حكم العسكر، ويأتي من يتفق مع الأمريكان، ويخرج الزيت، ويرتاح أهل البيت، وتدخل البلاد في رخاء لا مثيل له.
ثلاث نبوءات، ثلاثة أصوات، لكن الخيط واحد: محنة، ثم فوضى، ثم ظلم، ثم انكسار، ثم عمران.
أما اليوم، والسودان واقفٌ في قلب النار، يعود السؤال القديم من تحت الرماد:
هل نحن الآن داخل تلك النبوءات؟
هل هذا الليل هو الليل الذي قيل؟
هل هذه الحرب هي الفوضى التي تسبق البشارة؟
وهل اقترب السودان من اللحظة التي ينبغي فيها أن يسقط شيءٌ كبير كي تقوم البلاد؟
هنا قفز إلى ذهني سؤال: هل تكون الحركة الإسلامية نفسها هي القربان هذه المرة؟
هل يكون تنظيمها، ورموزها، وشبكاتها، وإرثها السياسي، هو «الكبش العظيم» الذي ينبغي أن يُقدَّم حتى ينزاح البلاء؟
الفكرة مغرية جداً؛ لأنها تجد لنفسها مفتاحًا جاهزًا في نبوءة محمود محمد طه: «سوف تنتهي بينهم» وسوف «يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعًا».
فإذا كان الليل قد دخل، وإذا كان الاقتلاع قد بدأ، فهل يكون سقوط هذا التيار هو لحظة ذبح القربان؟
لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
فإن فكرة تحويل طرفٍ واحد إلى «كبش فداء» مطلق، قد تريح العقل من عناء التعقيد، لكنها ربما لا تحرر الوطن نهائيًا من هذا الكابوس المزعج؛ فقد يسقط التنظيم ولا تسقط فكرته، وقد يُقتلع الحزب ولا تُقتلع بندقيته، وقد يذهب رجال ويبقى النظام الذي أنجبهم واقفًا في الظل.
وهنا، ربما تكون النبوءة نفسها أعمق مما نظن.
فالقربان الذي يحتاجه السودان قد لا يكون إنسانًا، قد يكون فكرة.
قد يكون ذلك الوهم القديم الذي يقول إن السلطة تُؤخذ بالبندقية، وإن الدولة غنيمة، وإن الوطن مِلْكٌ لمن يغلب.
ربما يكون القربان الحقيقي هو عقيدة الغلبة نفسها: أن تُقتلع من عقولنا قبل أن تُقتلع من أرضنا.
فالنبوءات، حتى حين تصدق في وجدان الناس، لا تعفي أحدًا من مسؤوليته؛ هي لا تقول لنا: اجلسوا وانتظروا الفرج، لكن قد تقول العكس: انتبهوا، فإذا رأيتم الليل فلا تكونوا حطبًا له، وإذا رأيتم الحريق فلا تصيروا وقودًا فيه.
وإذا رأيتم الفينيق يحترق، فلا تظنوا أن كل رماد سيصير جناحين.
صحيحٌ، ربما كان السودان الآن على عتبة التحول، لكن هذا التحول ليس قدرًا آليًا.
قد تخرج البلاد من الحرب ولا تخرج من منطق الحرب.
وقد ينتهي حكم الجنرالات ولا تنتهي عسكرة فضاء الدولة.
وقد يسقط الإسلاميون ولا تسقط دولة الغلبة.
وقد تتوقف المدافع وتظل الحرب جالسةً في اللغة، وفي الذاكرة، وفي النفوس.
لذلك، فالفداء الأكبر ليس أن يموت شخص، ولا أن يُقتلع تيار فحسب؛ الفداء الأكبر أن يموت القديم فينا:
أن يموت ذلك الإنسان الذي لا يرى الوطن إلا من نافذة جماعته.
أن يموت ذلك الحاكم الذي لا يعرف الدولة إلا بوصفها غنيمة.
أن تموت فينا لذة الانتقام، وشهوة الإقصاء، وقداسة البندقية.
عندها فقط، قد يصبح للقربان قيمة مُضافة: أن يكون القربان هو وهمنا القديم عن السودان.
ولعل أجمل ما في هذه النبوءات السودانية أنها —رغم كل الدم— لم تجعل خاتمة المطاف دمًا، لم تقل في الختام: «ثم هلك السودان»، لكنها قالت: «يعمر، يسلم، يصبح مقصدًا».
كأن هذه البلاد، مهما طال عليها الليل، تخفي في ترابها سرًا لا يموت.
وكأن النيل، وهو يمضي من الجنوب إلى الشمال، يعرف شيئًا لا نعرفه نحن: أن النهر لا يسأل الماء عن لون السحابة، ولا يسأل الضفة عن اسم القبيلة؛ إنه يمضي فقط.. يمضي لأن في جوفه وعدًا أقدم من الحرب.
ترى، هل يحتاج السودان إلى قربان؟ ربما، لكن ليس بالمعنى الذي ظنناه.
ليس رأسًا يُقدَّم، ولا جماعة تُذبح، ولا خصمًا يُمحى.. فقد يحتاج السودان أن يقدّم للنار ما آن له أن يحترق: عقيدة الغلبة، وثقافة الثأر، وأسطورة الحكم بالبندقية، ووهم امتلاك الوطن.
فإذا اكتوت هذه الجراح، ربما خرج الفينيق.
وإذا ماتت هذه الأدواء، ربما تبدأ الحياة.
وحينها فقط، قد نفهم أن القربان كان شيئًا أعمق: أن يموت السودان القديم، كي لا يموت السودان كله.
إذ بين النبوءة والواقع مسافة دم، وبين الحريق والفجر امتحان.
والأحداث، قطرةً قطرة، تتسلل من وراء ستار الزمن.
فإما أن نقرأ الإشارة قبل أن تتحول إلى هاوية، وإما أن ننتظر حتى يصبح السودان مجرد نبوءة أخرى عن قربانٍ لم يكتمل فداؤه.
لكن، في آخر الليل، يبقى هناك دائمًا ذلك الخيط الرفيع، الذي لا تراه العين، وإن كانت به ترى الروح.