أعمدة ومقالات

البرهان حردان..

بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك

لا شيء يجسد دراما سلطة بورتسودان المتهاوية في السودان أكثر من تجليات البرهان الكاريكاتورية فالرجل قرر فجأة، بعد أن سدت في وجهه مطارات العالم وأبواب السفارات، أن يلعب دور الزاهد المتعفف عن السفر. فعندما توالت عليه الصفعات الدبلوماسية وسقطت أوراق الاعتماد الدولية تباعاً، لم يجد البرهان سوى ممارسة الحرد السياسي على طريقة الأطفال، إذ اقتحم فعالية شبابية، ووقف بكامل بزته العسكرية مختطفا الميكروفون من (المغني) في استاد الخرطوم ليصرخ في وجوه شباب تجمعوا للغناء ليقول (أنا أصلاً ما عاوز تأشيرة، وقاعد هنا وح أموت معاكم)، في حالة من الاستعباط الاستراتيجي، فعندما ضاعت منه بوصلة الحكم، تحول المنع القسري بقدرة قادر إلى بطولة وطنية، ليصبح الإغلاق الدولي خياراً استراتيجياً من جنرال اختار الزعل والحردان  وسيلةً لإدارة الأزمة.

و​تكتمل ملامح هذا المشهد العبثي في طريقة مطاردة “الحردان” للجمهور، فالرجل الذي بات كرسيه يهتز تحت وطأة العزلة والمقاطعة، وجد نفسه يبحث عن أي تجمع بشري يملأ به فراغ شرعيته المفقودة، مقتحماً حفلاً شبابياً في محاولة يائسة لاختطاف لحظة تصفيق عابرة. ليقف هناك مستدعياً أرخص بضائع سلفه المخلوع عمر البشير، لكن دون (بهلوانيات رقصة العصا الشهيرة)، مجرد ارتجال مرتبك ووعود حماسية بالموت والقتال حتى محو الخصوم، في مواجهة جيل يدفع كل يوم ثمن مغامراته العسكرية ودمار بلاده.. والمفارقة المضحكة المبكية أن الحردان يريد إقناع العالم بأنه يرفض الذهاب امريكا، بينما يعلم الحاضرون في المدرجات قبل غيرهم أن الرفض كان مبادرةً من الخارج، وأن بقاءه في الداخل ليس وفاءً للرعية بل لعدم وجود مدرج هبوط يستقبله ببروتوكول حقيقي..

​ينكشف التوهان الكامل في هذه المحاولة البائسة التي تهبط بمقام الدولة إلى مستوى (الردحي) الشعبوي. فعندما تتحول إخفاقات السياسة الخارجية وانهيار التحالفات إلى حكاية تبريرية عن رفض تأشيرة، يصبح جلياً أن الرجل فقد كل أدوات المناورة ولم يتبق له إلا مدرجات الملاعب ليعلن من خلالها مظلوميته.. فالجنرال الحردان يقف وسط الخراب الذي خلفه، متناسياً أن سلطته تآكلت، وأن حروبه أضاعت المدن والقرى قبل أن تقضي على أي عدو، ليرسم صورة بالغة الإفلاس لزعيم يطلب التضامن من ضحاياه، ويمنّ عليهم بقرار بقائه القسري بينهم. لقد انتهت أسطورة رجل الدولة لتستقر على مقاعد البدلاء، حيث يكتفي “الحردان” بتوزيع خطابات الوعيد الجوفاء في أوقات الفراغ، على أمل أن يصدق أحدهم أن الحصار هو قمة السيادة، وأن الهروب من مواجهة الكارثة بطولة لا يتقنها إلا من أغلقت في وجهه كل الأبواب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة