في الوقت الذي لم يعد فيه حساب الأرواح من الشباب التي تسقط من المغدورين من طرفي القتال ذا قيمة، وتحول الأمر إلى حساب الغنائم من العتاد العسكري هو الأبرز خلال المعارك، والكثير من الذين راحوا ضحايا لا أحد يذكرهم غير المقربين رغم أن جلهم ليس من أبناء الكيزان أو آل دقلو بل شباب من (الضائعين) وسط شعارات الطرفين الجوفاء، ويتجاهل الطرفان الحديث بأن ضحايا هذه الحرب قد فاق (المليون) متفوقاً على الجزائر مع عدم وجود إحصائيات دقيقة موثقة..
فحتى بيانات الأطراف المتحاربة تخلو من أعداد الضحايا (جزعاً أو خجلاً) وتتحدث فقط عن تدمير أو الاستيلاء على المعدات الحربية، وكأنما من ماتوا خلال القتال أرقام لا قيمة لها، والمفجع أكثر أن كلا الطرفين يمنع إقامة سرادق العزاء حتى ينتبه الناس لحجم الكارثة والأعداد الضخمة من الضحايا التي تسقط يومياً، هذا إذا لم نتحدث عن الضحايا المجهولين الذين ماتوا جوعاً ومرضاً في معسكرات النزوح واللجوء أو في الصحاري وأعماق البحار وهم يحاولون الهروب من جحيم الوطن ومن المشردين في دول العالم تحت ظروف قاسية.
ولا أحد يرفض بكل تأكيد حواراً قائماً على أسس موضوعية وأولها إيقاف الحرب وحل جميع المليشيات وعلى رأسها الدعم السريع، ودمج الصالح منها في جيش واحد تكون مهمته حراسة الحدود ورعاية الحكم المدني دون تدخل سياسي، وفتح مناخ الحريات، ثم التفكير بعد ذلك في (حوار) لتكوين حكومة انتقالية مدنية تمهيداً لانتخابات عامة، وهو ما يحلم به الشعب السوداني وتقف دونه (رغبة) المغامرين من العسكر في الاستمرار على سدة الحكم وأطماع قيادة الدعم السريع في العودة للتمكن من مفاصل الدولة، ولكنها أطماع ورغبات ستكسرها إرادة هذا الشعب الجبار الذي لا يزال صامداً رغم المحن.
تضامن من العصب عمليات تكميم الأفواه لن تجدي وستظل الأصوات المدنية تصرخ ولن تخيفها المعتقلات والسجون، واعتقال الزميل قرشي عوض بلا جدوى؛ فهناك الملايين من (قرشي) سيظلون يصدحون بالحقيقة والواقع، فأطلقوه وأطلقوا حرية التعبير إن كنتم واثقين من مواقفكم صادقين مع الشعب.
والثورة مستمرة ولن تتوقف. والمحاسبة والقصاص أمر لا بد منه. والرحمة أبداً والخلود لشهدائنا.