الرحيل المسبوك على مذهبٍ دافئ هو الذي يمنح قلبك حقّ النمو الذي يشبه ذاتك ولا ينتمي إلى أي ملامح مشوّشة!!
ويقول قائد كتائب “البراء بن مالك”، المصباح أبو زيد: “إن كثيراً من المواقف والأفكار التي كنتُ أتبناها في السابق وصلتُ اليوم إلى قناعة راسخة بأنها تحتاج إلى مراجعة حقيقية، وأن مواقفي وأفكاري السابقة ربما تحتاج إلى إعادة نظر من الجذور لتكون أكثر تطوراً وتماشياً مع الواقع. والنضج هو امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن بعض قناعاتنا القديمة لم تعد تعبّر عن رؤيتنا اليوم، والمرحلة القادمة بالنسبة لي تحتاج إلى رؤية جديدة ومنهج مختلف وعقل أكثر انفتاحاً.. لا أتنكر للماضي لكن أتعلم منه وأتجاوزه”.
والبراء يتحدث وكأنه كان في ورشة تدريب أو برنامج سياسي يرى أنه يحتاج إلى “تطوير”. وهذا ليس اعترافاً بما قامت به هذه الكتائب وحسب، ولطالما أنه يريد أن يظهر كـ”قائد ناضج”، فهذا اعتراف بأنه كان قائد ميليشيا ارتكبت جرائم. وبالرغم من أنه يرى أن ما قام به لم يكن عملاً متطوراً، لكنه أقرّ تلقائياً بكل ما فعله، غير أنه يريد أن يتحول إلى قائد سياسي يمارس أسلوب تخفيف الجرائم وتحويلها إلى “أخطاء في الرؤية”.
فالاعتراف بالقناعات لا قيمة له إذا لم يسبقه اعتراف بكل الجرائم التي ارتكبتها قوات البراء في الميدان: من قتل وذبح وبقر للبطون، وإعدام في الشارع العام وفي المعتقلات، وما تم ارتكابه في حق الآلاف من المواطنين تحت ذريعة التعاون مع الدعم السريع، ودور كتائب البراء في استخدام الكيماوي. ومن بعد ذلك الإيمان بمبدأ المحاسبة والمحاكمة، ثم الاعتذار لهذا الشعب وتعويضه. فالقناعات لا تقتل الناس… الجرائم هي التي قتلت.
ومن الذي يتجاوز الألم؟ صاحبه أم المتسبب فيه؟ فلا يحق للبراء أن يقول: “تجاوزتُ الماضي”. فالفقد والألم تحمله الضحية، وإذا قال المعتدي إنه تجاوز الماضي فهو يقول عملياً: تجاوزتُ جرائمي. وهذا استهتار بالضحايا. فمحاولة غسل السمعة، عندما يقول قائد ميليشيا ارتكبت جرائم: “نحتاج مراجعة”، هو حديث وكأنه يريد مراجعة “تجربة سياسية” لا جرائم ميدانية. وهنا الاستهتار ليس بالضحايا فقط، بل بعقلية المواطن السوداني.
لم تنتهِ الحرب حتى يتم إحصاء عدد القتلى والمفقودين. لم يتحدث حتى الآن المواطن يا مصباح عن فقده، لأنه لن يستطيع أن يتحدث الآن. كم قصة قتل وتعذيب ما زالت حبيسة الدواخل لم تُروَ بعد؟ لم تُسرد حكايات القتل والتعذيب بليل. حتى الآن لم نسمع ماهية وكيفية التحقيق، وما يدور في معتقلاتكم من سيناريوهات نزع الاعتراف. هل التعذيب في معتقلاتكم يتم على طريقة بيوت الأشباح أم أنه تطوّر؟ كيف تتم معاملة “المتعاون” حتى يلقى ربه؟ كم عدد الضحايا من النساء والرجال الذين تم تعذيبهم وقتلهم “وراء الجبل” في أم درمان؟
كل هذه الجرائم سماها البراء “قناعات قديمة”، وخرج ليقول: لدي رؤية جديدة. وما يقوله المصباح الآن إشارة مبكرة لطموح سياسي يريد صاحبه أن يتحوّل من قائد قوة عسكرية إلى لاعب سياسي. وهذا النوع من الطموح عادةً ما يبدأ بالخطاب الناعم، ثم بالبحث عن شرعية اجتماعية، ومحاولة بناء قاعدة سياسية، ثم السعي لدور رسمي أو نفوذ داخل الدولة، وإعادة تسويق الذات (Rebranding) في محاولة لإعادة تشكيل الصورة أو إعادة تقديم الذات على شاكلة تغيير العلامة أو الهوية. أسلوب لتغيير الصورة العامة دون تغيير الجوهر الحقيقي، ويستخدمه دائماً من يريد دخول السياسة بعد تاريخ عنيف. فحميدتي عندما راوده طموحه السياسي، خاطب الإدارات الأهلية في بري: (أي زول تقول لي كلام يقول ليك الشارع، نحنا ذاتنا عندنا شارع). وهذا هو الطموح السياسي الذي يبتلع صاحبه ويلقي به في المهالك.
طيف أخير: #لا_للحرب اقرأ معي إنجازات حكومة الألم: قال رئيس الوزراء كامل إدريس إنه وجّه وزارة المالية وبنك السودان ووزارة الموارد البشرية لتسهيل التمويل الميسر للطاقة الشمسية. عجز واضح للحكومة في حل مشكلة كهرباء البلاد؛ فإدريس يتحدث وكأنه يدخل الطاقة الشمسية كبديل للكهرباء، وليس بديلاً للظلام!!