إن المأساة السودانية اليوم لم تعد في الحرب بين جيشين، بل في الحرب على المواطن نفسه. المواطن المدني الأعزل الذي وجد نفسه فريسةً لجيوش متعددة، وأمراء حرب، ومليشيات مستنفرة، كلها تمارس الإرهاب باسمه، وتنهب باسمه، وتقتله باسمه.
أولاً: المواطن في جحيم انعدام الأمن
يعيش المواطن اليوم أسوأ حالاته. انعدام تام للأمن، وكثرة للجرائم، وصعوبة للحياة في شتى المجالات. السلاح لم يعد لحماية الدولة، بل أصبح رزقاً. حالات سرقة ونهب وسلب وتعدٍ على الحقوق والممتلكات والأعراض، تمارسها جهات نظامية وغير نظامية، وحتى المستنفرون الذين جُمعوا بلا عقيدة قتالية ولا انضباط، تحولوا إلى عبء على المواطن لا سنداً له.
المواطن لا يريد حكومة بورتسودان ولا حكومة نيالا، المواطن يريد أمنه، وقوت يومه، وكرامته التي سُلبت.
ثانياً: الكنكشة.. وغطاء الحركة الإسلاموية
وكل هذا الهوان، وكل هم السلطة القائمة في بورتسودان متمثل في شخص واحد: الكنكشة على السلطة.
البرهان لا يبحث عن حل، بل عن بقاء. وقد وجد ضالته في الحركة الإسلاموية، التي صرح أحد عناصرها جهاراً بأنها تدعم حكم البرهان بشكل كامل. إنه تحالف قديم جديد: العسكر يمنح الغطاء، والكيزان يمنحون المقاتلين والمال والفتوى.
وهو نهج قام على الخراب، وعلى الإثنية المسيسة، وعلى تكريس الصراع الاجتماعي. نهج استهدف الأحزاب المدنية العريقة، والنقابات الحقيقية المعبرة عن مطالب المهن والعمال، واستبدلها بولاء جهوي وقبلي، وأخيراً عسكري، في تحالف بغيض بين القبيلة والسلاح.
إن سياسة “فرق تسد” وانتفاء المصلحة المشتركة ستكون هي سبب حربهم القادمة. ومؤشراتها بدأت تلوح:
صراع قادم لا محالة مع مناوي تحديداً، ومع عقار، قد يفرز في القريب خلافاً يصل إلى مرحلة الحرب الشاملة. وحوار البرهان المزعوم، رغم أنه محصور في إطار البلابسة ودعاة استمرار الحرب، إلا أنه سوف يتسبب في انقسام وفتنة كبيرة بينهم.
ببساطة، جماعة “الموز” متمثلة في حركات دارفور والنيل الأزرق، ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع كيكل والقوات القبلية والجهوية المنحدرة من الوسط والشمال. إنه صراع ا داخل معسكر الحرب نفسه، زرعه الكيزان بأيديهم وسيحصدونه ناراً.
رابعاً: الخلاصة.. لا كبير على الوطن
إن النتيجة النهائية لهذا العبث هي أن أحداً لن ينجح. لا البرهان، ولا مناوي، ولا عقار، ولا كيكل. الكل خاسر، والوطن هو الذي يتفكك.
والمسؤولية التاريخية الكاملة تقع على عاتق الجيش والكيزان. هما آفة دمار هذا الوطن، هما من حول الدولة إلى غنيمة، والجيش إلى حزب، والحزب إلى مليشيا.
وليعلم الجميع أنه لا كبير على الوطن. الوطن أكبر من البرهان، وأكبر من الكيزان، وأكبر من كل أمراء الحرب.
الطريق ليس في حوار البلابسة، ولا في حكومات البندقية، بل في عودة الكلمة للشعب، ووقف هذه الحرب اللعينة، وبناء دولة مدنية تقوم على المواطنة لا على القبيلة، وعلى الدستور لا على البندقية.