المؤسسة العسكرية وجدت في الأصل لصون الأرض والسيادة وحماية الدستور، لكن ما حدث في السودان أنها تركت الثغور واتجهت نحو القصر، وتركت واجب حماية الحدود وانشغلت بهندسة السياسة.
هنا تكمن العقدة الأساسية والجذر الحقيقي لكل أزمات السودان المتطاولة، وهي النقطة التي يتهرب منها أنصار استمرار القتال ودعاة الحسم العسكري.
في كل العالم الجيوش تحرس الدستور وتحميه، أما عندنا في السودان فالجيوش تكتبه وتمزقه وتفصله على مقاس قائدها. منذ حركة 17 نوفمبر 1958 بقيادة عبود، وحركة 25 مايو 1969 بقيادة نميري، وحركة 30 يونيو 1989 التي نفذها البشير بتخطيط من التنظيم الإسلامي، وحتى حركة 25 أكتوبر 2021 بقيادة البرهان، ظلت القيادة العسكرية هي المحرك الرئيسي والمخطط الأول لكل تعطيل للمسار المدني ولكل ردة عن الديمقراطية، حتى لو كانت خلفها لافتات حزبية مدنية، والمستفيد الأكبر والثابت في كل مرة كان تنظيم الإسلاميين المعروف بالكيزان.
كيف انحرف المسار وتحولت المؤسسة القومية إلى تنظيم سياسي؟
1- احتكار القرار السيادي: التنظيم المدني الطبيعي يصل للحكم عبر صندوق الاقتراع وبرضا الناس، أما تنظيم القيادة العسكرية الحالي فيصل للحكم عبر الدبابة وفوهة البندقية. القاعدة التي حكمت السودان هي: كلما تعثرت التجربة المدنية بسبب خلافاتها، قفزت القيادة العسكرية لتجهز عليها بدلاً من حمايتها، وكلما نجحت التجربة وبدأت تستقر، عرقلتها القيادة وصنعت لها الأزمات. هذا ليس سلوك جيش، هذا سلوك حزب معارض ينتظر سقوط الحكومة.
3- اختراع الحصانة والهالة الكاذبة: التنظيمات السياسية الحقيقية تقبل المساءلة والنقد والمحاسبة، بينما قيادة اليوم تريد أن تكون فوق المساءلة وفوق القانون. اختلقوا هالة كاذبة وقدسية مصطنعة حول المؤسسة، حتى أصبح نقد سلوك القائد جريمة وطنية. من يعترض على قرارات البرهان السياسية يوصف بالعمالة، ومن يعترض على تصرفات القيادة وانحيازها يوصف بالخيانة. يريدون كياناً لا يسأل ولا يحاسب ولا ينتقد، رغم أنه يمارس السياسة ليل نهار.
والأمر الأشد إيلاماً أن هذه المنظومة باتت أداة بيد عناصر النظام السابق.
المؤسسة الآن ليست حرة في قرارها ولا مستقلة في إرادتها. تم اختطاف قرارها من قبل فلول النظام البائد الذين عادوا من بوابة الحرب عبر كتائب البراء وغيرها. وحتى إذا افترضنا، ولو جدلاً، وجود شرفاء ووطنيين داخلها ولاؤهم للعلم والشعب فقط، فأثرهم محدود ومشلول، بل هم أعجز من أن يمنعوا قائدهم من الاشتغال بالسياسة والاصطفاف مع تيار بعينه وتحويل المؤسسة القومية إلى حاضنة لتيار سياسي واحد.
بل رأينا كيف يفرغون جهدهم وطاقتهم صباح مساء، في الخفاء والعلن، في مهاجمة القوى المدنية الرافضة للحرب (صمود) وتصويرها كعدو، بينما العدو الحقيقي المتمثل في مصر تحتل أجزاء واسعة من البلاد. وهذا تصرف تنظيم سياسي منافس يبحث عن إقصاء خصومه، وليس تصرف مؤسسة قومية جامعة لكل السودانيين.
ما لم نعالج هذه المعضلة من جذورها، فإننا ندور في حلقة مفرغة. لن يتعافى السودان إلا بعلاج الجذر، وذلك بإبعاد المؤسسة العسكرية بشكل كامل عن التجارة والسياسة، وتفكيك كافة التشكيلات المسلحة والمليشيات الموازية، وبناء قوة قومية موحدة ومهنية عقيدتها حماية المواطن لا حكمه، وصون الدستور لا تمزيقه. وإلا فإن القادم سيكون أشد قتامة ودموية وتقسيماً مما نعيشه الآن.
السودان أوسع من أي مؤسسة، وأرحب من أي فرد، وأكبر من أي جنرال يظن أنه يملك مفاتيح البلاد. والمؤسسة يجب أن تعود لدورها الأساسي والمقدس: حراسة الوطن، وليس إدارة الوطن وبيعه في سوق المراهنات الإقليمية.ولايصح الا الصحيح وبس