❝الحرب أول ما تكون فتيّةً.. تسعى بزينتها لكل جهول، حتى إذا حميَت وشبّ ضرامها عادت عجوزاً غير ذات خليل.❞
تقول الحكاية إن حرب البسوس لم تبدأ بحجم نهايتها.. ناقة قُتلت، ثم كليب، ثم جساس، ونهض المهلهل يطلب الثأر، فمضت حرباً حتى صارت أطول من سببها الأول.. وفي قلب المأساة وقفت جليلة بنت مرة، زوجة كليب وأخت جساس.. وحين خرجت من مأتم زوجها، سألها أبوها: ما وراءك؟ فقالت:”ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد”.. كانت جليلة ترى، قبل الرجال، أن الحرب حين تبدأ لا تظل وفيةً لسببها الأول.
(1)
ولأن السودان ليس البسوس، لا يجوز أن نُسقط الحكاية على الواقع كما هي.. إلا أن التاريخ لا ينفك أن يترك مرآته أمامنا:” الحرب قد تبدأ بسبب، ثم تلد أسباباً، حتى يصبح استمرارها أكبر من دوافعها الأولى”.. لذلك لا يكفي أن نسأل:” من بدأ الحرب؟”.. السؤال الذي يؤرق البلاد الآن:” من أصبح لديه، بعد هذا الدم كله، ما يجعله يخشى نهايتها؟”.
(2)
هناك من يرى أن وقف القتال قبل حسم عسكري أو ترتيبات أمنية واضحة قد يمنح الخصم فرصة لاستعادة قوته، وأن سلاماً يُفرض فوق واقع عسكري مختل قد لا يصنع دولة، بل يؤجل جولة أخرى.. هذه حجة تستحق أن تُسمع، حتى ونحن نختلف معها؛ فالعدل يبدأ من فهم من يخشى قبل محاكمة منطقه.
أما الخارج، فقد صار أكثر دفعاً نحو هدنة إنسانية ووقف دائم للنار ومسار سياسي.. وجاء الضغط الأميركي، عبر مسعد بولس، إلى باب آخر: تضييق منافذ السلاح والتقنيات التي تغذي القتال، مع طرح توسيع القيود لتشمل السودان كله.. والرسالة تبدو واضحة:”لا يكفي أن تطلب من النار أن تنطفئ، بل عليك أن تغلق الأبواب التي يدخل منها الوقود”.
(5)
لكن العالم لا يتحرك دائماً بلا مصالح.. فحين تتشابك الجغرافيا مع الذهب والموارد والموانئ والأسواق والتحالفات، تصبح الحرب أكثر من معركة بين بندقيتين. قد يجد طرف داخلي في استمرارها حمايةً لنفوذ، أو مهرباً من حساب، أو فرصةً لإعادة ترتيب السلطة.. وقد ترى قوى خارجية في الفوضى مجالاً لنفوذ أو مورداً أو موقعاً.. لا نقول إن كل هؤلاء يريدون الحرب.. نقول إن السلام يعيد توزيع الأوراق، ومن اعتاد الربح من الفوضى قد يخشى يوم الحساب.
(6)
وهنا تعود جليلة من كتب التاريخ، لتجلس بين نساء السودان.. فقد رأت في مقتل كليب فقد حليل، وقتل أخ عن قليل، ورأت بيتاً ينهدم بين بيتين. واليوم، كم من جليلة سودانية تحمل صورة زوج أو أخ أو أب، ثم تسمع من يقول: نحتاج جولة أخرى؟.. الحرب في ساحات القتال أرقام.. وفي ذاكرة النساء أسماء لا تنتهي. ولهذا فإن إنهاءها لا يعني إسكات المدافع وحدها، بل قطع الطريق أمام تحويل الدم إلى سلطة، والخوف إلى تفويض، والضرورة العسكرية إلى نظام دائم.. فالدولة التي تخرج من الحرب يجب ألا ترث الحرب معها.
(7)
ولهذا لا يحتاج طريق الإيقاف إلى معجزة.. يحتاج إرادة:”وقف تدفق السلاح والمال، هدنة قابلة للرقابة، وقف دائم للنار، ترتيبات أمنية ملزمة، ومسار سياسي سوداني شامل يقود إلى سلطة مدنية، ويحمي مؤسسات الدولة من عودة السيطرة الحزبية والعسكرية”.. وإذا كان الضغط الدولي قد بدأ من السلاح، فعليه أن يصل إلى كل من يمول الحرب أو يسهل استمرارها، بلا استثناء.. فالحرب لا تنتهي حين يتعب المقاتلون فقط؛ تنتهي حين تصبح كلفة استمرارها أعلى من كلفة السلام.
والحقيقة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج البنادق، أن وقف الحرب ليس مكافأةً لأحد.. لا للمنتصر إن انتصر، ولا للمهزوم إن انكسر. إنه إنقاذ لما تبقى من وطنٍ دفع أكثر مما يحتمل.. ومن الخطأ أن نضع السلام في كفةٍ مقابلة للدولة؛ فالسلام الذي يحفظ الدولة يقويها، والدولة التي تضع السلاح تحت القانون تستعيد معناها، أما استمرار الحرب باسم الدولة حتى تتآكل مؤسساتها، فقد يجعل الاسم قائماً والبلاد غائبة.. عندها لا يعود السؤال: من ربح المعركة؟ بل: ماذا بقي للسودانيين كي يرثوه من هذا النصر؟ فالخراب لا يفرّق بين يدٍ أشعلت النار ويدٍ ظنت أنها ستطفئها غداً وحدها.
ما نود قوله: إن الحرب لا تعيش بالرصاص وحده.. تعيش بما حول الرصاص من مصالح وخوف وحسابات. ولذلك يبقى السؤال الأصدق:” هل ما زال المتقاتلون يقاتلون من أجل الأسباب التي أشعلت الحرب، أم أن الحرب نفسها أنجبت مصالح جديدة تحرس بقاءها؟”.
ومضة أفق الحرف..
لا أحد يملك السودان إلى الأبد.. لا بندقية، ولا حزب، ولا عاصمة، ولا حليف، ولا قوة دولية.. والسودان الذي ظنوه غنيمةً في حربهم، سيبقى وطناً لأهله بعد أن تنطفئ آخر رصاصة.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه، ليقول: “حين تشيخ الحرب، يصبح إيقافها شجاعةً أكبر من إشعالها.. ومن كان يستطيع أن يوقفها ولم يفعل، سيبقى سؤال التاريخ معلقاً فوق رأسه”.