أعمدة ومقالات

السلطة الرابعة.. الصحافة. التماهي بديل للرقابة و للحياد و الموضوعية.

. بقلم السفير الصادق المقلي.

السلطة الرابعة.. الصحافة. التماهي بديل للرقابة و للحياد و الموضوعية.

6

أ… .. حسن طرحه والصور المقلوبة…الهدنة: لا إعادة للتمرد إلى المشهد السياسي حتى ولو استمرت الحرب مائة عام..
العكس هو الصحيح. الهدنة تقول بعدم مشاركة أطراف النزاع في العملية السياسية

هذا اللقب لا يعيبه.. فهو يذكر بمواقف بطولية له في عهد الإنقاذ بصق عليها

بعد أن قال حسن إسماعيل إن استمرار الحرب أفضل من الهدنة التي تنادي بها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والإيغاد والجامعة العربية، ضمن المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب، ذهب إلى أبعد من ذلك فقال إن الهدنة التي تفضي في نهاية المطاف إلى السلام وعودة الاستقرار والحكم المدني تمثل «تهديدًا للأمن القومي والاستقرار في السودان».
وهذه صورة أخرى من الصور المقلوبة التي دأب حسن إسماعيل على رسمها؛ صورة تناطح طبيعة الأشياء، وتغرد خارج سرب الموقف الدولي والإقليمي الداعي إلى وقف القتال، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وفتح الطريق أمام السلام والاستقرار.
وبعد أن رسم حسن إسماعيل صورته المقلوبة في الجانب الاقتصادي، عندما هرف بما لا يعرف، واعتبر الانفلات الجنوني في سعر الصرف مؤشرًا على تعافي الاقتصاد ــ وهي السردية التي فندناها في مقالنا السابق الثاني عن حسن إسماعيل ــ نأتي في هذه الحلقة الثالثة من «بدع حسن إسماعيل وصوره المقلوبة» إلى واحدة من سردياته المتعلقة بالحرب والسلام.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه السردية أن حسن إسماعيل لا يكتفي برفض الهدنة، وإنما يذهب إلى القول بأنه لا يريد هدنة تعيد «التمرد» إلى المشهد السياسي، حتى لو استمرت الحرب مائة عام!
ولنضع جانبًا للحظة قسوة هذه العبارة، ولنطرح السؤال الأهم:
هل الهدنة المقترحة أصلًا تعني إعادة التمرد إلى المشهد السياسي؟
هنا تحديدًا تنهار حجة حسن إسماعيل من أساسها.
فمسعد بولس تحدث عن عملية سياسية بملكية سودانية، لا تتأثر بأي من أطراف الحرب ولا تكون رهينة لأحد طرفي النزاع. كما أن التصور المطروح يتضمن هدنة، وآلية للمراقبة والتحقق، ثم وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وعملية سياسية سودانية، وصولًا إلى التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وهذه نقطة جوهرية يغفلها حسن إسماعيل أو يتغافل عنها:
الهدنة ليست اتفاق سلام لتقاسم كراسي السلطة بين المتحاربين.
وهنا يكمن الفرق الكبير بين المقترح الحالي وبين كثير من اتفاقيات السلام التي عرفها السودان من قبل.
ففي اتفاقيات سابقة، جرى التعامل مع الحركات المسلحة من خلال صيغ تقاسم السلطة والثروة وإدماج قياداتها في مؤسسات الدولة، وأصبح حمل السلاح في كثير من الأحيان ورقة تفاوضية تفتح لصاحبها بابًا إلى السلطة.
ففي اتفاقية نيفاشا، مثلًا، أفضت ترتيبات اقتسام السلطة إلى أن يصبح جون قرنق نائبًا أول لرئيس الجمهورية عمر البشير، بعد أن تنازل علي عثمان محمد طه عن الموقع.
وفي اتفاقية أسمرا، حصلت قيادات من جبهة الشرق على مواقع في السلطة، وتكرر نموذج استيعاب قيادات الحركات المسلحة في مؤسسات الدولة في اتفاقيات لاحقة.
وفي اتفاق جوبا للسلام، حصلت الحركات الموقعة على تمثيل في مؤسسات الحكم الانتقالي، فأصبح مالك عقار عضوًا في مجلس السيادة، وجبريل إبراهيم وزيرًا للمالية، ومني أركو مناوي حاكمًا لإقليم دارفور.
إذن، إذا كان حسن إسماعيل يخشى من أن تتحول الهدنة إلى وسيلة «لمكافأة التمرد» وإعادته إلى السلطة، فإن عليه أولًا أن يميز بين نموذج المحاصصة الذي عرفته اتفاقيات السلام السابقة وبين التصور المطروح للهدنة الحالية.
وهنا تحديدًا تنهزم حجته.
فعلى خلاف اتفاقيات السلام التي قامت على اقتسام السلطة والثروة والمحاصصة وإعطاء حملة السلاح نصيبًا من كراسي الحكم، فإن التصور المطروح للهدنة لا يقوم على إعادة المتحاربين إلى السلطة، وإنما على وقف الحرب وتهيئة المناخ لعملية سياسية سودانية لا تكون ملكًا للجيش ولا للدعم السريع ولا لأي طرف مسلح.
أي أن الفكرة ليست أن يتوقف القتال لكي يجلس المتحاربون مجددًا على كراسي السلطة، وإنما أن يتوقف القتال لكي تبدأ عملية سياسية يملكها السودانيون، ولا تتأثر بأي من أطراف الحرب، ويكون مستقبل الحكم فيها شأنًا للشعب السوداني.
وبعبارة أكثر وضوحًا: مقترح الهدنة لا يكافئ التمرد بالمحاصصة؛ بل يضع، في جوهره، طريقًا لتجاوز منطق المحاصصة نفسه.
فإذا كانت مشكلة حسن إسماعيل هي أن حمل السلاح يجب ألا يتحول إلى طريق للحصول على مقعد في السلطة، فإن الحل ليس رفض الهدنة، وإنما دعم عملية سياسية مدنية لا تمنح أي طرف مكافأة لمجرد أنه حمل السلاح.
وإذا كان يرفض عودة السلاح إلى السياسة، فلماذا لا يدعم قيام دولة مدنية تقوم على المواطنة والانتخابات والشرعية الشعبية، وتحتكر الدولة فيها السلاح؟
أما أن ترفض الهدنة بحجة أنها ستعيد التمرد إلى المشهد السياسي، في حين أن المقترح الذي نتحدث عنه يقوم على عملية سياسية سودانية مستقلة عن أطراف الحرب، فهذه واحدة أخرى من الصور المقلوبة.
ثم إن السؤال لا يتعلق فقط بالسياسة، وإنما بالإنسان السوداني الذي يدفع ثمن استمرار الحرب.
حسن إسماعيل، الذي يرفل ــ بحسب ما يظهر من حياته العامة ــ في رغد من العيش مع ولي نعمته، وتنعم أسرته بما يتوفر لها من الطعام والعلاج والتعليم، يتحدث عن الحرب وكأنها مجرد معركة سياسية على السلطة.
لكن هناك سودانيين يقتاتون من علف الحيوان.
هناك أطفال حُرموا من التعليم، وثلاثة أجيال مهددة بأن يفوتها قطار التعليم ويُقذف مستقبلها إلى المجهول.
هناك مرضى يموتون لأن المستشفيات فقدت قدرتها على العمل، ومرضى غسيل الكلى يواجهون خطر الموت بسبب توقف الأجهزة أو نقص الإمدادات، ونساء حوامل يعانين من انقطاع الكهرباء وشح الدواء.
وهناك من يموتون بالدانات والمسيرات، وآخرون يموتون بلسعة عقرب لا يجدون لها مصلًا، أو عطشًا في الفيافي، أو غرقًا في البحر.
ملايين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وأصبحوا بين نازح ولاجئ.
كل ذلك يحدث في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
ثم يأتي حسن إسماعيل، دون أن يرف له جفن أو يرق له قلب، ليقول: لا هدنة تعيد التمرد إلى المشهد السياسي، حتى لو استمرت الحرب مائة عام!
أي صورة مقلوبة أكثر من هذه؟

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة