أعمدة ومقالات

دبلوماسية المبادئ أمام تجار الحرب..

خارطة القوى المدنية تفرض ايقاعها على مجلس الأمن

كتب أحمد عثمان محمد المبارك

لم تكن المذكرات والرؤى التي صاغتها القوى المدنية السودانية يوماً مجرد وثائق نظرية حبيسة الأدراج، بل كانت التعبير الأكثر نضجاً عن نبض الشارع التواق للسلام والحرية. واليوم، حين يتردد صدى تلك الرؤى في أروقة مجلس الأمن الدولي عبر مشروع القرار الأمريكي الأخير، تتأكد حقيقة بديهية طالما حاول هدير البنادق طمسها، وهي أن المخرج الحقيقي للأزمة السودانية لا يملكه جنرالات الحرب ولا يُحسم عبر فوهات المدافع، بل كتبت ملامحه بأقلام وتضحيات الفاعلين المدنيين، ليجد العالم نفسه أخيراً مضطراً للإصغاء إلى الصوت الأصدق والمسار الوحيد القابل للحياة.

فقد مثل مشروع القرار الأمريكي أمام مجلس الأمن تقاطعاً جوهرياً ومباشراً مع الرؤية السياسية وخارطة الطريق التي طرحها تحالف القوى المدنية الديمقراطية (صمود) وقوى إعلان المبادئ. ينطلق كلا الطرحين من تشخيص موحد لطبيعة الصراع الراهن، مفاده استحالة الحسم العسكري وضرورة كسر الحلقة المفرغة التي تغذيها التدخلات الخارجية وشبكات الإسناد العسكري غير المشروعة. إن تركيز التحرك الدولي الأخير على توسيع نطاق حظر السلاح الجغرافي ليشمل كافة التراب السوداني، وتجريم تدفق الطيران المسيّر والأسلحة النوعية، ليس سوى تبني عملي للمذكرات والمواقف المبدئية التي ظلت القوى المدنية تنادي بها منذ الأيام الأولى للحرب لحماية وحدة البلاد ومنع تفككها.

​وعلى الرغم من هذا التطابق في الأهداف المباشرة، يتمايز المشروعان في المدى والعمق المعرفي والسياسي للأزمة. فالمشروع الدولي، بطبيعته القانونية والأمنية، يعمل كأداة ضغط عاجلة تهدف إلى احتواء الكارثة الإنسانية، وحماية المدنيين، وتثبيت التزامات فتح الممرات الإغاثية، وإخضاع تدفق السلاح لرقابة أممية صارمة. وفي المقابل، تتجاوز خارطة طريق (صمود) ووثائق إعلان المبادئ مجرد إدارة الصراع أو فرض التهدئة، إذ تربط وقف العمليات العسكرية بمسار تأسيسي شامل يعالج جذور الحرب تاريخياً، من خلال تفكيك تمكين النظام السابق، وإصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية لبناء جيش قومي ومهني موحد، وإرساء دعائم العدالة الانتقالية وحكم مدني ديمقراطي كامل.

​إن التجاوب الواسع الذي لقيه مشروع القرار داخل أروقة الأمم المتحدة يعكس بوضوح أن العالم بات يستمع للرواية والتوصيف الذي قدمته الحركة المدنية السودانية، التي نجحت عبر نشاطها الدبلوماسي المستمر في المنابر الإقليمية والدولية، في فرض شروط المعركة الأخلاقية والسياسية، وتجريد أطراف الحرب من أي مشروعية تمكنهم من احتكار تمثيل الدولة أو فرض إرادتهم عبر فوهات البنادق. ومن هنا، يصح القول إن ما يناقشه مجلس الأمن اليوم هو في جوهره مشروع سوداني صيغ بأقلام وتضحيات الفاعلين المدنيين، ثم التقطته القوى الكبرى لترجمته في تدابير إلزامية بموجب القانون الدولي.

​ويبقى هذا التبني الدولي مرهوناً في فاعليته بقدرة الإرادة السودانية على استثماره؛ فالقرارات الأممية توفر مظلة حماية وتجفف منابع العنف التدميري، لكنها لا تبني دولاً ولا تنشئ سلاماً مستداماً بمفردها. لذلك فإن تحول المطالب المدنية من نداءات وطنية إلى مسودات قرارات دولية يمنح القوى المدنية قوة دفع حاسمة، تؤكد أن مستقبل السودان السياسي لن يُصاغ إلا وفق المبادئ التأسيسية التي وضعتها قوى التغيير والسلام، مهما تعقدت حسابات الميدان أو حاولت أطراف النزاع استدامة الحرب.

لقد ثبت بالبرهان القاطع، إن قوة المبدأ قادرة على فرض منطقها في أعلى المحافل الأممية؛ فحين يتحدث السودان بلسان قواه الحية وتطلعات شعبه، تدرك القوى الدولية أن الطريق الوحيد لإنهاء الحرب يبدأ من حيث صاغ المدنيون رؤيتهم للسلام والحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة