أعمدة ومقالات

لماذا حوار الخرطوم باطلٌ منطقيًّا وقانونيًّا؟ حوارُ الطرفِ الواحدِ لا يُوقفُ الحربَ


د. الأمين بلال مختار

alaminmukhtar@hotmail.com

أيُّ حوارٍ جادٍّ في أيِّ حربٍ في العالمِ تحكمُهُ قاعدتانِ بسيطتانِ لا ثالثَ لهما، وقد سقطَ حوارُ الخرطومِ اليومَ فيهما معًا.

أولًا: الغايةُ تُحدِّدُ الوسيلةَ. ما غايةُ هذا الحوارِ؟

الحربُ في السودانِ دائرةٌ بينَ طرفينِ مسلحينِ، ويدفعُ ثمنَها خمسونَ مليونَ مدنيٍّ. وأيُّ حوارٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ يجبُ أن تكونَ غايتُهُ الأولى هي: كيفَ نُوقفُ الحربَ؟

غيرَ أنَّ البيانَ التأسيسيَّ والمؤتمرَ الصحفيَّ المنعقدَ اليومَ لم يذكرا وقفَ إطلاقِ النارِ لا كشرطٍ مُسبقٍ ولا كهدفٍ أولٍ، بل قفزا مباشرةً إلى عباراتٍ فضفاضةٍ من قبيلِ “التوافقِ السياسيِّ” و”تشكيلِ الحكومةِ”.

هذا ليسَ حوارَ سلامٍ، بل هو حوارٌ لتقاسمِ غنائمِ الحربِ.

والمنطقُ يقولُ: مَن يبدأُ حوارًا سياسيًّا دونَ أن يضعَ وقفَ القتلِ في صدارةِ جدولِ أعمالِهِ، فهو لا يريدُ وقفَ القتلِ أصلًا، بل يريدُ توظيفَ الحوارِ لإطالةِ أمدِ الحربِ وشرعنتِها. إنه يريدُ حكومةً سياسيةً تُوفِّرُ غطاءً لجنرالاتِ الحربِ.

ثانيًا: المكانُ يُحدِّدُ الاستقلاليةَ. أينَ ينعقدُ الحوارُ؟

من بديهياتِ علمِ التفاوضِ أنهُ لا يُمكنُكَ أن تدعوَ إلى حوارٍ محايدٍ وأنتَ تعقدُهُ داخلَ مقرِّ قيادةِ أحدِ أطرافِ الحربِ نفسِهِ.

الخرطومُ اليومَ ليست مدينةً محايدةً؛ هي مدينةٌ تخضعُ لسيطرةٍ كاملةٍ لطرفٍ واحدٍ من أطرافِ النزاعِ، وهو الجيشُ. مطارُها بيدِ الجيشِ، وأمنُها بيدِ الاستخباراتِ العسكريةِ، ودخولُها لا يتمُّ إلا بتصريحٍ من الجيشِ.

فكيفَ يُمكنُ لطرفٍ ثانٍ في الحربِ، أو لطرفٍ ثالثٍ مدنيٍّ ، أن يأتيَ ويتحدَّثَ بحريةٍ في مثلِ هذهِ البيئةِ؟ هذا مُستحيلٌ.

وكيفَ لمدنيٍّ نازحٍ انتُهِكَتْ قريتُهُ، او مدينته أن يثقَ في حوارٍ يُعقدُ تحتَ حِرابِ الجهةِ ذاتِها؟

ولكي يكونَ أيُّ حوارٍ مُستقلًّا ومقبولًا، لا بدَّ من توافرِ ثلاثةِ شروطٍ:

١- مكانٌ محايدٌ: بعيدٌ عن سطوةِ أطرافِ الحربِ، كالمنامةِ أو أديسْ أبابا أو جنيفَ، حتى يأمنَ الجميعُ على أنفسِهم ويتحدثوا بلا خوفٍ.
٢- وسيطٌ محايدٌ: لا يُمكنُ أن يكونَ الجيشُ هو الخصمَ والحَكَمَ والراعيَ في آنٍ واحدٍ.
٣- تمويلٌ محايدٌ: الحوارُ المُموَّلُ من وزارةِ ماليةِ سُلطةِ بورتسودانَ هو حوارُ موظفينَ عندَ البرهانِ، وليسَ حوارَ أحرارٍ.

وقد فقدَ حوارُ الخرطومِ الشروطَ الثلاثةَ جميعَها؛ فهو حوارٌ بتمويلِ طرفٍ، وبرعايةِ طرفٍ، وفي بيتِ طرفٍ.

النتيجةُ المنطقيةُ:

إنَّ ما حدثَ اليومَ ليسَ حوارًا سودانيًّا – سودانيًّا، بل هو حوارُ طرفٍ واحدٍ معَ نفسِهِ.

هدفُهُ ليسَ وقفَ الحربِ، بل شرعنةُ طرفٍ في الحربِ ليحكمَ باسمِ الحوارِ.

وأيُّ حوارٍ لا يبدأُ بوقفِ الحربِ، ولا ينعقدُ في مكانٍ محايدٍ، فهو باطلٌ.. باطلٌ.. باطلٌ.

ولا يصحُّ إلا الصحيحُ، وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة