أعمدة ومقالات

`حريتنا لا يعوزها تصريحك يا البرهان

عروة الصادق

﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ﴾ [البقرة ٢٥٦]

قرار عبد الفتاح البرهان رقم (363) لسنة 2026م بشطب بعض البلاغات المرتبطة بالرأي السياسي، ومنح المشاركين في ما يسمى «الحوار السوداني–السوداني» حصانة إجرائية مؤقتة، يحتاج إلى قراءة أبعد من العنوان الاحتفالي الذي تحاول السلطة تسويقه؛ فالمسألة هنا تتصل بطبيعة الحرية نفسها، وبمن يملك منحها، وبالحدود التي رسمها القرار، وبالحقوق التي أبقاها خارج نطاقه.

أعلن وزير العدل “درف” في الفاتح من سبتمبر 2026م أن القرار يشمل شطب البلاغات المقيدة في الحق العام بواسطة “أجهزة الدولة” ضد السودانيين داخل البلاد وخارجها بسبب أفعال أو أقوال اعتبرت آراء سياسية، كما يمنح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة خلال فترة مشاركتهم في الحوار؛ وهذه الصياغة تبدو واسعة في ظاهرها، غير أن تفكيكها يكشف سؤالًا جوهريًا: ماذا عن البلاغ الذي يفتحه صاحب السلطة نفسه بصفته الشخصية، أو بواسطة محاميه، ثم تستخدم مؤسسات الدولة ذلك البلاغ في تقييد حرية المواطن؟ – هذا السؤال عندي ليس نظريًا.

فأنا أواجه بلاغات من مؤسسات رسمية، وهذه تدخل من حيث الأصل في النطاق الذي يتحدث عنه القرار، لكن هناك أيضًا بلاغًا مباشرًا تقدم به عبد الفتاح البرهان، بواسطة وكيله، ضدي أمام نيابة جرائم المعلوماتية بسبب مواقف وآراء سياسية إبان الانتقالية وقبل انقلابه في أكتوبر وحربه في إبريل؛ وترتبت على هذه الملاحقات، وفق ما عشته مباشرة، تجميد حساب بالعملة المحلية، وقيود على السفر، وتعطيل إجراءات الهوية، ومنعي من استخراج جواز السفر السوداني، حتى بعد القرارات التي قيل إنها فتحت استخراج الجوازات للمعارضين.

وهنا يصبح القرار أمام اختبار بسيط لا يحتاج إلى خطب طويلة – هل يشطب البرهان البلاغ الذي أقامه البرهان؟

إذا كان الهدف فعلًا تحرير المجال السياسي، فهذه هي اللحظة التي يثبت فيها القرار صدقه؛ أما إذا جرى شطب بلاغات الأجهزة وترك البلاغ الشخصي لصاحب السلطة قائمًا، فنحن أمام عملية تنظيف قانوني للواجهة مع الاحتفاظ بأداة الضغط في الجيب.

والفارق بالغ الخطورة، فالبلاغ الذي يقدمه رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني بصفته الشخصية لا يعيش في فراغ اجتماعي عادي؛ صاحب البلاغ هنا هو نفسه رأس السلطة التي تسيطر على المجال الأمني والإداري والسيادي، ولذلك يصبح السؤال عن استقلال تأثيره على أجهزة الدولة سؤالًا مشروعًا، ويصبح واجبًا تحديد ما إذا كان القرار يشمل جميع القضايا ذات المنشأ السياسي مهما كانت الجهة التي حركتها، أم يقتصر على نوع محدد من البلاغات ويترك خلفه منافذ تسمح باستمرار الملاحقة بالآليات نفسها وتحت تسميات مختلفة.

ثم توجد طبقة أخطر من البلاغ ذاته:

• شطب البلاغ لا يكفي إذا بقيت آثاره.

• ما قيمة إسقاط تهمة سياسية إذا ظل المواطن ممنوعًا من السفر؟

• وما قيمة الحديث عن تهيئة المناخ إذا بقيت إجراءات الهوية معطلة؟

• وما معنى ضمان العودة إذا كان الجواز نفسه قد حُرم منه صاحب الرأي؟

• وما قيمة حصانة داخل قاعة حوار إذا بقي حق المواطن في الوثيقة الوطنية مرتبطًا بإرادة السلطة التي دعته إلى القاعة؟

الحرية السياسية سلسلة كاملة؛ تبدأ من الحق في الهوية والجواز، وتمر بحرية الحركة والعودة والتنظيم والتعبير، ثم تصل إلى المشاركة السياسية، وأي قرار يفتح الحلقة الأخيرة ويترك الحلقات السابقة تحت قبضة السلطة ينتج حرية منقوصة ومشروطة.

وهذا يقود إلى أصل المشكلة لأن البرهان يحاول أن يقدم الضمانات باعتبارها منحة تهيئ الحوار، بينما الضمان الحقيقي يبدأ بإلغاء الظروف التي جعلت الناس يحتاجون إلى منحة أصلًا.

• من حق السوداني أن يعود إلى بلاده قبل الحوار وبعده

• ومن حقه أن يحمل جواز بلاده

• ومن حقه أن يستخرج وثائق هويته

• ومن حقه أن ينتقد رئيس الدولة

• ومن حقه أن يتحرك من دون أن تصبح الملاحقة السياسية قيدًا على حياته المدنية

• هذه حقوق مواطنة، وليست حوافز سياسية توزعها السلطة على من يقبل دخول عملية ترعاها

وهنا تقع المفارقة الأشد وهي أن السلطة التي استخدمت القانون في مواجهة الرأي السياسي تقدم اليوم نفسها باعتبارها الجهة التي تضمن حرية الرأي، والسلطة التي تملك فتح البلاغ وإبقاءه وشطبه تريد أن تقنعنا بأن المشكلة حُلّت لأن صاحب السلطة قرر تعليق استخدام بعض أدواته.

هذا لا يصنع فضاءً حرًا.

إنه يثبت حجم السلطة التي يحتاج الفضاء العام إلى التحرر منها.

ثم إن «الحصانة الإجرائية المؤقتة» نفسها تستحق الوقوف عندها؛ فالحرية التي تنتهي بعد انتهاء الحوار ليست حرية سياسية، وإنما ممر آمن مؤقت، والسلطة التي تقول للمعارض: ادخل وتكلم وسنؤجل ملاحقتك حتى تنتهي مشاركتك، تعترف ضمنًا بأن الأصل ما زال هو قابلية المواطن للملاحقة، وأن الاستثناء هو فترة الحوار.

الحوار الحقيقي يحتاج إلى معادلة معكوسة تمامًا

• الأصل هو الحرية.

• والقيد استثناء يخضع للقانون والقضاء.

• أما هنا فقد أصبح الأصل هو القيد، والحوار استثناء تمنحه السلطة لفترة تحددها هي.

وهذا وحده يكشف طبيعة العملية، فالحوار الذي يحتاج فيه الناس إلى حصانة من صاحب الدعوة يحمل عطبًا في نقطة البداية، لأن أحد أطراف المجال السياسي يدخل القاعة حاملًا سلطة منح الأمان وسحبه، بينما يدخل الطرف الآخر محتاجًا إلى هذا الأمان لكي يمارس حقًا دستوريًا أصيلًا.

• فأين التكافؤ؟

• وأين الاستقلال؟

• وأين الملكية السودانية للعملية إذا كان حق المشاركة نفسه يمر عبر بوابة الضمان السيادي؟

وتزداد المشكلة عمقًا عندما نضع القرار أمام ما أعلنته مفوضية الاتحاد الأفريقي قبل أيام عن ضرورة أن يكون الحوار شاملًا وذا ملكية سودانية حقيقية، فهذه الملكية لا تستقيم إذا بقيت حرية بعض السودانيين مرتبطة بقرار يصدره أحد أطراف السلطة ويحدد مدته وحدوده ومن يشمله ومن يخرج منه.

ولهذا فإن الاختبار المطلوب من البرهان واضح ومباشر، إذا كان جادًا في فتح المجال العام، فليصدر نصًا لا يحتمل الالتفاف، يشمل كل بلاغ نشأ بسبب الرأي أو النشاط السياسي، سواء حركته مؤسسة رسمية أو مسؤول أو شخص يشغل منصبًا سياديًا أو وكيله، وليأمر برفع كل الآثار المترتبة على تلك البلاغات، من أوامر قبض وحظر سفر وتعطيل وثائق وقيود إدارية، وليعد للمواطن حقوقه قبل أن يدعوه إلى الحوار.

وليرفع هذه الحقوق عن الجميع، بمن فيهم من يرفضون الحوار.

فهنا فقط نعرف أن الأمر يتعلق بحرية عامة، لا بامتياز للمشاركين.

والاختبار الشخصي عندي أكثر وضوحًا من أي بيان.

إذا كان قرار البرهان صادقًا، فليُشطب البلاغ الذي أقامه هو نفسه ضدي بسبب الرأي السياسي، ولتُرفع آثاره، وليُفتح أمامي حق استخراج جوازي السوداني واستكمال إجراءات هويتي وحرية حركتي، بلا اشتراط أن أجلس في قاعة الحوار، وبلا حصانة مؤقتة، وبلا إذن سياسي. عندها يصبح القرار خطوة في اتجاه استعادة الحقوق.

أما إذا بقي بلاغ البرهان قائمًا، وبقيت القيود التي ترتبت عليه، بينما تُرفع أمام الكاميرات بعض بلاغات أجهزة الدولة، فالمشهد كله يتحول إلى حيلة قانونية مكشوفة: السلطة تشطب بيد ما يصلح للصورة، وتحتفظ باليد الأخرى بما يصلح للضغط، وهذه هي النقطة التي تهدم أوهام «تهيئة المناخ» من أصلها.

إن تهيئة المناخ يا “برهان” لا تبدأ بإعطاء المعارض بطاقة مرور مؤقتة إلى الحوار؛ تبدأ بإخراج السلطة من حقه في الكلام، والسفر، والهوية، والجواز، والعودة، ثم إخضاع أي اتهام جنائي مستقل للقضاء بدل تحويل القانون إلى ذراع في النزاع السياسي.

وأقول: “إن البرهان لا يحتاج إلى إصدار عفو عن حقي، هو فقط يحتاج إلى التوقف عن معاملته كأنه ملكه”.

فالجواز ليس هبة من رئيس مجلس السيادة أو قائد الجيش، والهوية ليست مكافأة على المشاركة، وحرية الرأي ليست امتيازًا تمنحه السلطة لمن تقرر محاورته.

هذه حقوق سبقت البرهان وسلطته، وستبقى بعده إلى ما شاء الله، وإذا كان الحوار الجديد يريد أن يثبت أنه مختلف عن السلطة التي أنشأته، فليبدأ من هذا الحد الفاصل: المواطن يدخل الحوار بحقوقه، لا بضمان من الحاكم.

وأي عملية تعجز عن تثبيت هذه القاعدة منذ يومها الأول ستبقى محاولة لإدارة المعارضة، لا تأسيس دولة، ومحاولة لإعادة ترتيب علاقة السلطة بخصومها، لا إعادة علاقة الدولة بمواطنيها.

أما بالنسبة لي، فالمعيار محسوم.

اشطب البلاغ الذي قدمته أنت، ارفع حظر السفر، أعد حق الهوية والجواز، ثم حدثني عن الضمانات

وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال أقوى من القرار: “كيف يضمن البرهان حرية الحوار لمن ما زال البرهان نفسه خصمًا له في النيابة؟”.

صورة لـ:

بروفيسور قاسم بدري.

موكلي سابقا مولانا نبيل أديب المحامي.

لأعضاء لجنة حوار البرهان.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة