الحرب لا تقتل بالرصاص وحده، بل تقتل بالجوع أيضاً. وما يتهدد السودان اليوم ليس مجرد أزمة غذاء عابرة، بل مجاعة شاملة مصنوعة بيد السلطة التي أشعلت الحرب ومولتها من قوت الشعب.
كيف صنعت الحرب المجاعة؟
أولاً: انعدام الاستقرار وانهيار الزراعة.
الفلاح الذي كان يزرع أرضه في الجزيرة ودارفور وكردفان، أصبح اليوم نازحاً في العراء، وأرضه أصبحت مسرحاً لمعارك المليشيات. لا يمكن لزارع أن يزرع وهو يسمع أزيز الرصاص، ولا لحاصد أن يحصد ومليشيا تطلب منه إتاوة على محصوله.
السودان الذي كان سلة غذاء العالم، تراجعت زراعته إلى ما دون النصف. مشروع الجزيرة توقف، ومشاريع النيل الأزرق تعطلت، والسماد انقطع، والوقود صار أغلى من الذهب. سلطة بورتسودان التي تدشن حملات ترشيح جنرالها الفاشل في غرفة ضيقة بثلاثة أشخاص، لم تدشن حملة واحدة لإنقاذ الموسم الزراعي.
ثانياً: تعدد مصادر القرار وتنازع أمراء الحرب.
السودان اليوم ليس دولة واحدة، بل دويلات مليشياوية متنازعة. كل طرف يحمل السلاح يفرض رسومه، ويغلق طريقه، ويمنع وصول الغذاء إلى مناطق خصمه. طريق بورتسودان مغلق بقرار من هذا، وطريق دارفور مغلق بقرار من ذاك، والقمح يتعفن في الميناء وأهل دارفور يموتون جوعاً في المعسكرات.
ثالثاً: انهيار الجنيه وغلاء السلع.
بسبب الحرب، انهار الجنيه السوداني انهياراً كاملاً أمام العملات الأجنبية. الدولار الذي كان بمئات الجنيهات صار بآلاف، وأصبحت العملة الوطنية مجرد ورق لا يشتري شيئاً. ومع انهيار العملة، اشتعلت نار الأسعار.
غلاء فاحش في كل شيء: السلع الغذائية، والدواء، والخدمات، والمواصلات. الأسعار ترتفع كل ساعة، والمواطن الذي كان يتقاضى راتباً يكفيه شهراً، أصبح راتبه لا يكفيه يومين. حتى من يملك المال لا يجد السلعة، ومن يجد السلعة لا يملك ثمنها.
رابعاً: الفساد المشترى والاستبداد والتمليش.
المجاعة ليست نتيجة نقص الغذاء فقط، بل نتيجة فساد مستشرٍ صنعه الاستبداد. فساد مشترى بالولاء، حيث توزع المناصب والموارد على الموالين للمليشيات، لا على الكفاءات.
وظاهرة التمليش هي المحرك الأساسي لهذا الفساد. فميزانية السلطة التي كان يجب أن تذهب للزراعة والصحة والتعليم، تذهب كلها للصرف على الجيوش والمليشيات. جيش رسمي، و، ودرع البطانة، وكتائب براء، وموسى هلال، ومناوي، وكل واحد يريد ميزانية جيش كامل.
إن المجاعة في السودان ليست قدراً طبيعياً، بل هي سلاح حرب متعمد. تجويع المدنيين هو جزء من مشروع عسكرة وتمليش المجتمع وتدمير فضائه المدني.
حين يوزعون صكوك الخيانة، ويغذون خطاب الكراهية والنعرات العنصرية والاصطفافات الجهوية، فهم لا يقسمون الوطن سياسياً فقط، بل يقسمون حتى رغيف الخبز.
يريدون أن يقولوا للسوداني: لا تثق في المدني الذي يطعمك، بل ثق في العسكري الذي يجوعك ثم يعطيك فتات مساعدات ليصورها كإنجاز.
الخلاصة
بسبب الحرب، وانعدام الاستقرار، وانخفاض الزراعة، وتعدد مصادر القرار، وتنازع عدة أطراف تحمل السلاح، وانهيار الجنيه أمام العملات الأجنبية، والغلاء الفاحش في السلع والخدمات والأسعار عامة، والفساد المشترى نتيجة الاستبداد، وظاهرة التمليش والصرف الهستيري على الجيوش والمليشيات، أصبحت المجاعة هي المهدد الأول لوحدة الوطن وبقائه.
فمن يزرع المليشيات لا يحصد قمحاً، ومن يدير البلاد بالبندقية لا يمكن أن يدير اقتصادها، ومن يصرف ميزانيته على الجيوش لا يمكن أن يطعم شعبه، ومن يفشل في وقف الحرب لا يمكن أن يوقف المجاعة.
السودان لا يحتاج إلى حملة لترشيح جنرال صنع المجاعة، بل يحتاج إلى وقف فوري للحرب، وتوحيد مصادر القرار عبر حكم مدني ديمقراطي، وتفكيك كل المليشيات التي قطعت طرق الغذاء ونهبت الميزانية، وبناء جيش قومي مهني واحد يحمي المزارع لا ينهبه، وإعادة الفلاح إلى أرضه، وإعادة الجنيه إلى قيمته.
إن مكافحة المجاعة تبدأ بإنهاء عسكرة السياسة، لأن من أشعل الحرب لا يمكن أن يطعم الناس.