طيف أول : قيثارةُ إحساسٍ منحت أكوان الغناء لحنها الأمجد، التقت على حافة الصمت، وآمنت بمذهب الشوق أثناء الحديث وأطراف الكلام.
وتقرير نيويورك تايمز كشف أن الجيش السوداني حوّل غاز الكلور إلى سلاح كيماوي، واستخدمه لترجيح كفته الميدانية في معارك الخرطوم. وسلّط التقرير الضوء على رسالة للعميد ركن طارق حسين، “رئيس مشروع قنابل الكلور”، وحديثه عن كيفية تحويل هذا الغاز القاتل إلى سلاح يمنح الجيش أفضلية في معركة الخرطوم. كما وزّع رسومات لنماذج أولية من ذخيرة جديدة قال إنها تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 33 رطلًا من غاز الكلور ،وأفاد حسين بأنه صنع ما يقرب من 300 ذخيرة كيماوية، كان معظمها مخزنًا في مطار مروي وبحسب العميد أن لهذه الذخيرة ميزة مزدوجة: “إذ يمكنها قتل قوات العدو إما عبر تمزيقها بالشظايا أو عبر تسميمها بغاز الكلور”. وفي رسالة إلى أحد زملائه في سبتمبر/أيلول 2024، وصف حسين مقاتلين من قوات الدعم السريع وهم يستنشقون غاز الكلور بعد هجوم، وكتب: «لقد شربوا الغاز». والصحيفة نشرت فحوى الرسائل الصوتية والنصية للبرهان وحسين، وكل الأنشطة من لحظة التخطيط إلى التنفيذ بالتواريخ، وصولًا إلى رسالة من الفريق عبد الفتاح البرهان يطلب فيها محو جميع الآثار، مؤكدة أنه كان على علم مباشر بمشروع تصنيع واستخدام ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال معارك الخرطوم.
وقد لا يتفاجأ البرهان بتقرير استخدام الكيماوي، لأن ضابط الاستخبارات الأمريكي الذي أجرى اتصالًا (فيديو كول) مع مدير جهاز الأمن والمخابرات قبل أكثر من شهر، أخبرهم بأن أمريكا تمتلك الأدلة الكافية لجريمتي الكيماوي وفض الاعتصام. وعقد مجلس الدفاع والأمن السوداني اجتماعه الأخير لمناقشة كيفية التعامل مع هذه الأدلة، وكانت الحكومة عبر حلفائها الإقليميين تسعى للمساومة السياسية. لكن مايفاجئهم هو ما حواه التسريب من تفاصيل داخل هواتفهم؛ وربما يكون ما وصل للصحيفة قليلًا من كثير. ومنذ أن قرأت التقرير لم أبحث في مضمونه كثيرًا، لأننا ظللنا نتحدث عن أن الجيش استخدم الكيماوي، وهناك عشرات الشواهد على ذلك. لكنني انتقلت مباشرة للبحث عن الدلالة السياسية خلف تسريب بهذا الحجم والخطورة للصحافة. فالاستخبارات الأمريكية لا يمكن أن تسرب معلومات بهذه الدقة إلا بقصد وهدف مباشر، سيما أنها لم تعتمد نشر الصور أو الفيديوهات لتثبت الواقعة، لكنها ذهبت إلى ما هو أبعد، وأكدت أن عينها موجودة حتى في الهاتف الجوال لقائد الجيش.
فالتقرير أولًا كشف أخطر مما تتوقعه الحكومة السودانية، وهو أن البلاد تقع تحت أجهزة مراقبة استخباراتية أمريكية دقيقة ومستمرة، جمعت أدلة هي الأخطر منذ بداية الحرب. فأمريكا تريد أن تقول: نحن لا نراقبكم فقط، نحن نطّلع حتى على رسائل البرهان الشخصية ورسائل ضباطه، والرسومات والصور، ومواقع التخزين، وتواريخ التصنيع، وأوامر محو الأدلة وهذا مستوى من الاختراق لا يحدث إلا عندما تكون دولة ما هي الهدف لأمريكا، لذلك تخضع لرصد استخباراتي كامل ومستمر. ولهذا قلنا هنا من قبل للحارث إدريس، الذي طالب مسعد بولس بتقديم الأدلة في مجلس الأمن، إن أمريكا لو لم تكن بيدها الأدلة لما وصلت لمجلس الأمن لتهدد البرهان. وذكرنا له حرفيًا أن الأدلة يمكن أن تحصل عليها أمريكا بعيدًا عن اللجنة المختصة التي رفضتها الحكومة؛ فالأدلة يمكن جمعها عن طريق فرق إنسانية أو دبلوماسية أو إعلامية أو أي شخصية بغطاء مختلف.
ثانيًا: كشف امتلاك الأدلة هو أخطر مراحل التهديد، لأنه يعني أن واشنطن تستطيع قلب الطاولة في أي لحظة، وتهيئ الرأي العام الأمريكي لخطوتها القادمة في السودان حتى لاتواجه انتقاداً مثيل بخطواتها في العراق ثالثا :تنزع بهذا التهديد سلطتها على البرهان من جديد، بعد أن حاول أن يتغاضى عن دعوتها للسلام ويحتمي بدور إقليمي. فأمريكا ترى أن هذا تمردٌ سياسي وإهانة واضحة. فالتلويح بالكيماوي لن يعيد البرهان إلى مكانه الطبيعي فحسب، بل يرسل رسالة مباشرة للدول الإقليمية بأن الرهان على البرهان أصبح مكلفًا. لذلك ربما تعيد هذه الدول قريبًا حساباتها بعد هذا التقرير، وتنتقل من دعم البرهان إلى مرحلة دعم الحل الشامل للأزمة ووقف الحرب. فامتلاك الأدلة ينزع شرعية البرهان دوليًا، ويقيّد أي دعم خارجي له، ويفتح الباب لعقوبات أشد عليه، ومستقبلًا على حلفائه. رابعاً: اختيار أمريكا للتوقيت؛ فالتقرير نُشر قبل اجتماعات حقوق الإنسان، وبعد عقوبات جديدة، وتزامنًا مع ترتيبات سياسية جديدة يستعد لها البرهان، وفي لحظة تصاعد الضغط الدولي عليه. وهذا يعني أن أمريكا حاولت أن تضع أدلة دامغة لسحب السند الإقليمي منه من قبل حلفائه. فهذه ليست معلومات فقط، بل ملف قانوني جاهز، وفيه رسالة للمجتمع الدولي نفسه: “ما نتهم به الجيش ليست مزاعم… لدينا أدلة استخباراتية”. لذلك بعد إكمال قراءة التقرير تصل إلى أنك لم تطّلع على تقرير صحافي، بل على تحذير استراتيجي مكتوب بلغة الصحافة، القصد منه الردع السياسي وكبح جماح طموح الجنرال الذي يخطط لحكم البلاد من جديد. ومع ذلك، تريد أمريكا تهيئة الأرض لفعل أكبر، ربما يبدأ بدعوة للهدنة والتفاوض مع التهديد بالعقوبات لكنه قد لا ينتهي بها. فكل الدول مثل سوريا والعراق وليبيا كانت تحت مراقبة استخباراتية قبل أي تدخل سياسي أو عسكري.
طيف أخير: #لا_للحرب
القيادي بتحالف صمود طه عثمان: أي حل سياسي ينهي الحرب يجب أن يقوم على إخراج البرهان وحميدتي من المشهد العسكري ومؤسسات الدولة المدنية. من حق البرهان أو حميدتي أن يخوضا الانتخابات، فإذا أراد الشعب اختارهما عبر انتخابات حرة ونزيهة.