ما يحدث من إضرابات واحتجاجات متفرقة في العديد من المدن والقطاعات الحكومية، من أسواق عطبرة ودنقلا وكسلا وبعض المدن الأخرى بالأضافة لترس السودان وحتى المعلمين وأساتذة الجامعات وغيرهم، هو في الحقيقة عبارة عن (عصيان مدني) غير معلن سيتمدد تدريجياً في ظل التدهور المستمر للحياة داخل البلاد، فالثورات دائماً ما تبدأ بالمطالب المعيشية قبل أن تسفر عن وجهها الحقيقي ومطلبها الأساسي بتغيير النظام برمته. ووجود ثلث سكان البلاد من الشباب بالخارج، والخناق والقبضة الأمنية الباطشة مع من تبقى بالداخل هو ما يجعل من هذه الاحتجاجات (متفرقة)، وعدم إفصاحها عن الرغبة العارمة من جميع القطاعات بضرورة إنهاء حالة الانقلاب التي تعيشها البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات والتغيير الكلي للنظام العسكري الخانق الذي يجلس على أنفاس المواطنين بالقوانين الأمنية والكبت والخنق والضرب والإرهاب والفوضى، وهذه الثورة المكبوتة لن تتوقف رغم كل شيء ولابد أن تصل لمبتغاها خاصة وأن البلاد تمضي نحو الاختناق في كل صباح. وحكومة الأمر الواقع التي تتابع حالة الاحتجاجات المتتالية وتعلم مدى الضيق الذي وصله المواطن لا تملك مفاتيح حلول جذرية بل تعمل على (التخدير) بالحلول الإسعافية حتى لا يتوقف دولاب الدولة، ستجد نفسها قريباً لا تملك حتى أدوات تلك الحلول الإسعافية بعد أن يصل الضغط على المواطن المسكين مداه، ولكنها في ذات الوقت لا يمكنها وهي (الأخيرة) التي تصرخ في وجه العسكر كفى اقتتالاً فقد بلغ السيل الزبى..
والوطن في هذه المرحلة الحرجة لا يحتاج لمعجزة إلهية، بل يحتاج لرجال شجعان يقفون في وجه العسكر مهما كلفهم الأمر ليقولوا كفى أكاذيب، فلا نهاية لهذه الحرب العبثية وأن البلاد لن تبدأ التعافي إلا بإيقافها والبدء في حوار وطني صادق وشفاف، وأن التعنت والعناد والمراوغة والأكاذيب لن تقود البلاد إلى الأبد، وأن الطريق للتعافي واضح بحكومة مدنية قوية من كفاءات وليس (أرجوزات)، ويذهب الجيش إلى الثكنات وتحل جميع المليشيات والبدء في تكوين جيش وطني واحد.. ودون ذلك فإننا لن نجد حتى وطناً لنتحدث عنه. لا للحرب.. نعم للسلام. لا لحكم العسكر.. نعم للحكم المدني الديمقراطي.