طيف أول: غريبٌ أن هذا الليل لا ينفد بالفجر، هو هكذا باقٍ يلوّح للصبح الأبكم.
وبالأمس كشفت مصادر موثوقة أن مديري استخبارات دوليتين سابقين وسفيرًا دبلوماسيًا سابقًا لدى السودان متورطون في ملف الكيماوي عبر شبكات إقليمية واستيراد مادة الكلور من بعض الدول، من بينها الهند. وأضاف المصدر أن الشبكة تضم عدد من الضباط الذين يحاولون الآن مغادرة دولة خوفًا من عمليات تصفية. وأشار المصدر إلى أن التقرير الذي نُشر في الصحيفتين الأمريكيتين خلق موجة ارتباك كبيرة دفعت هذه الشخصيات للشروع فورًا في اجتماعات لبحث عملية محو الآثار تحسبًا لأي دخول لفرق دولية إلى السودان من أجل التحقيق، وأضاف المصدر أن أمريكا لديها أعين وآذان داخل السودان وداخل المؤسسة العسكرية. وذكر أن قائد كتائب البراء بن مالك استدعته دولة إقليمية في إحدى زياراته الخارجية وطالبته بضرورة التخلص من آثار الكلور. وأضاف المصدر أن إحدى الجامعات كانت واحدة من المخازن التي تم فيها تخزين براميل الكلور، لذلك أطلقت الكتائب الأمنية في العام الماضي مشروع نظافتها والعمل على إعادة “سيرتها الأولى”. وأكد أن بعض الدول العربية الداعمة لمشروع بقاء البرهان هي نفسها شريكة في ملفات أمنية معه، وأن محاسبة البرهان تعني كشف هذه الملفات، وأضاف أن هناك ما هو أكبر من المصالح، وأن حماية أمن البحر الأحمر ليس إلا مصطلحًا سياسيًا للتغطية. وهذا الحديث يعني أن ملف الكيماوي لم يكن قرارًا محليًا فقط، بل كان جزءًا من شبكة إقليمية ودولية. فوجود شخصيات استخباراتية وسفير سابق يشير إلى أن المشروع لم يكن عشوائيًا، بل عملية منظمة لها غطاء سياسي وأمني، وأن بعض الدول كانت تعرف أو تشارك في توفير المواد أو تسهيل مرورها. لذلك فإن القضية قد تتجاوز البرهان نفسه لتصل إلى شبكات نفوذ دولية، وهذه الدلالة تجعل الملف أكبر من مجرد “استخدام الكلور”، بل مشروعًا إقليميًا له أطراف متعددة. فما حدث من ارتباك يكشف أن التسريب كان مفاجئًا، وأن الدول تخشى وصول فرق تحقيق دولية، لذلك تسعى إلى عملية طمس آثار الجريمة. ولكن ماذا تخفي أمريكا من أدلة أخرى؟! كما أن استيراد مادة حساسة مثل الكلور من الهند عبر دول وسيطة هو بلا شك محاولة لإخفاء المصدر الحقيقي للمواد، ووجود شبكات تهريب أو شراء غير رسمية يؤكد أن العملية تمت خارج القنوات الحكومية الطبيعية، وهذا يرفع مستوى الشبهة، لأن هذا النوع من التحركات عادة يتم في العمليات السرية التي تريد الدول فيها إبعاد المسؤولية المباشرة عنها. واستدعاء البراء يكشف أن هذه الدول كانت شريكة في المشروع، وأن التخلص من آثار الكلور أصبح ضرورة أمنية، وهذا يعني أن البرهان ليس سوى جزء من شبكة أكبر، وهذا يفسّر لماذا بعض الدول تدافع عنه بشراسة. أما استخدام منشأة مدنية كمخزن لمواد خطرة فيكشف مدى تلاعب هذه القوات بحياة المدنيين، وأن “مشروع نظافة الجامعة” كان غطاءً لعملية إزالة الأدلة، وحتى الكتائب الأمنية كانت تنفذ أوامر خارج إطار الجيش. فهذا النوع من الملفات عادة يؤدي إلى تحقيق دولي واسع، وانهيار التحالفات الإقليمية، وإعادة تشكيل المشهد السياسي بالكامل. لكن يأتي السؤال: ما تأثير هذا الملف على طبيعة العلاقات بين أمريكا وهذه الدول، لأنه يمسّ حلفاءها الإقليميين الذين ذكرهم المصدر ضمن الشبكة المتورطة في الملف؟ فواشنطن تربطها علاقة مصالح قوية مع دول الإقليم لن تخسرها، لكنها ستستخدم الملف لصالحها، سيما أنها تعتبر أن أي نشاط أمني خارج علمها، خصوصًا في منطقة حساسة مثل البحر الأحمر، هو تهديد مباشر لمصالحها، وتجاوز لخطوطها الحمراء، وإشارة إلى أن الحليف يعمل خارج التنسيق معها. فوجود دول حليفة متورطة في ملف كيماوي داخل السودان دون علم واشنطن يعني أن هذه الدول تجاوزت التنسيق الأمني مع أمريكا، وفتحت قنوات سرية مع أطراف محلية، وشاركت في مشروع يمكن أن يتحول إلى قضية دولية، وهذا النوع من السلوك تعتبره واشنطن لعبة لصالح خصومها أو واجهة لدول أخرى تقاسمها طموح النفوذ في البحر الأحمر، فهي ستعتبره عملًا خارج المظلة، وهذا يهدد الهيمنة الأمريكية في المنطقة. لذلك فإن خيار المساومة لهذه الدول على الملف قد لا يكون واردًا أو مقبولًا كما تم في ملفات سابقة تخصها ، لأن أمريكا لن تبيع مصالحها في البحر الأحمر حتى لا تذهب إلى روسيا وإيران. على العكس، ستستخدم الملف لابتزاز سياسي ناعم، وفرض شروط جديدة في التعاون الأمني، وإجبار هذه الدول على تقديم تنازلات في ملفات أخرى، وإعادة ترتيب النفوذ في البحر الأحمر لصالحها. فلن تعاقب هذه الدول، لكنها ستجعلها تدفع الثمن سياسيًا. وتسريب الأدلة إعلاميًا وتمليكها للرأي العام الأمريكي يكشف عن نيتها عدم التراجع، لأن الملفات التي تريد أمريكا المساومة فيها لا تملكها الرأي العام. فهذا الملف سيعمل على سحب الثقة الأمنية تدريجيًا، وإعادة تقييم التحالفات الإقليمية، وهو بجانب ذلك يعتبر عصا غليظة للضغط السياسي وإضعاف نفوذ هذه الدول في البحر الأحمر، ومع ذلك بلا شك أنه يعمل على تقليل اعتماد واشنطن على البرهان وربما فتح الباب لتغيير المشهد السياسي في السودان بالكامل.
طيف أخير: #لا_للحرب دعا أمس عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان إلى تحقيق دولي مستقل في اتهامات استخدام السلاح الكيميائي بالسودان، وقال إن الطريق الوحيد لحسم الاتهامات المتزايدة بشأن استخدام أسلحة محرمة في النزاع المسلح السوداني هو فتح البلاد أمام تحقيق دولي مستقل، معتبرًا أن نفي الاتهامات وحده لا يكفي لإغلاق الملف) .
لكن السلطة عجزت حتى عن النفي الرسمي ولزمت الصمت !!