أعمدة ومقالات

السلاح الكيميائي في حرب السودان: جريمة حرب موثقة بلا عقاب

د. الأمين بلال مختار

لم تعد اتهامات استخدام السلاح الكيميائي في السودان مجرد دعاية حرب، بل أصبحت حقيقة موثقة بقرار رسمي من الحكومة الأمريكية وتحقيقات استقصائية دولية، جعلت الجيش السوداني في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي الإنساني.

أولاً: ما الذي حدث؟ القرار الأمريكي الرسمي

في 22 مايو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024 خلال حربها ضد قوات الدعم السريع.

وبناء على هذا القرار الصادر في 24 أبريل 2025 بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على السودان شملت قيوداً على الصادرات الأمريكية والائتمان الحكومي، ودخلت حيز التنفيذ في 6 يونيو 2025.
الخارجية الأمريكية قالت بالنص: “ندعو حكومة السودان إلى وقف كل استخدام للأسلحة الكيميائية والوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية”. 0039

ثانياً: ما هو السلاح المستخدم وأين استخدم؟

التقارير لم تحدد النوع بشكل رسمي في بيان الخارجية، لكن تحقيقين كبيرين كشفا التفاصيل:

صحيفة نيويورك تايمز (يناير 2025): نقلاً عن 4 مسؤولين أمريكيين كبار، أن الجيش استخدم السلاح الكيميائي مرتين على الأقل في مناطق نائية، وأن السلاح المستخدم كان على الأرجح غاز الكلور.

تحقيق France 24 الاستقصائي (أكتوبر 2025): وهو أول دليل علني مادي. وثق الفريق بالصور والفيديو المحدد جغرافياً:

المكان: قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي للنفط شمال الخرطوم، وكانت تحت سيطرة الدعم السريع وقتها.

التاريخ: 5 سبتمبر 2024 و 13 سبتمبر 2024.

الطريقة: براميل صناعية مخصصة لتخزين الكلور، ألقيت من طائرة (الدعم السريع لا يملك طيران حربي)، وانفجرت مطلقة سحابة صفراء-خضراء مميزة لغاز الكلور.

المصدر: تتبع التحقيق البرميل إلى شركة هندية صدرته إلى بورتسودان في أغسطس 2024 بغرض “معالجة مياه الشرب فقط”. 5d98d65e5421

منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت التحقق المستقل من تحديد الموقع الجغرافي للفيديوهات. d65e6872

بل وذكر تقرير جديد لـ The National نقلاً عن ملف استخباري أن قائداً عسكرياً ادعى إنتاج ما يقارب 300 ذخيرة كيميائية بحلول أكتوبر 2024 خُزنت في مطار مروي، وأنه بعد العقوبات الأمريكية صدرت أوامر من البرهان لمسؤول البرنامج بـ “إزالة كل آثار” البرنامج. 6872

ثالثاً: خطورة غاز الكلور وآثاره

الكلور ليس غازاً عادياً. هو سلاح كيميائي محرم دولياً رغم أنه مادة صناعية:

يسبب حروقاً كيميائية في العين والجلد، وتآكلاً حاداً في الجهاز التنفسي، واختناقاً، وموتاً بالاستسقاء الرئوي.

آثاره طويلة المدى: تلف مزمن في الرئة، وفشل تنفسي، وسرطانات، وتشوهات للأجنة.

كما ورد في شهادة أحد الشهود بعد هجوم الجيلي: “علمت لاحقاً من قريب أن مدنيين اثنين توفيا أثناء علاجهما في المستشفى بسبب التلوث”. de3e

رابعاً: لماذا هي جريمة كاملة الأركان من منظور القانون الدولي؟

تورط الجيش يضعه تحت طائلة ثلاث جرائم دولية متداخلة:

انتهاك اتفاقية الأسلحة الكيميائية (CWC): السودان طرف في الاتفاقية منذ 1999. المادة الأولى تحظر تطوير وإنتاج واستخدام الأسلحة الكيميائية تحت أي ظرف، حتى استخدام مادة صناعية كالكلور كسلاح يعتبر انتهاكاً. لذلك وجدت الولايات المتحدة السودان “في حالة عدم امتثال” للاتفاقية. 7843

جريمة حرب حسب نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية: المادة 8 (2) (ب) (18) تعتبر “استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو ما في حكمها” جريمة حرب. واستخدام الكلور يدخل مباشرة في هذا التعريف، كما أكدت هيومن رايتس ووتش. d65e

جريمة ضد الإنسانية إذا استهدف المدنيين: إذا ثبت استخدامه في مناطق مأهولة أو قرب مصفاة يعمل بها مدنيون، يصبح هجوماً عشوائياً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف).

الأدلة القانونية المطلوبة للمحاسبة:

دليل مادي: البراميل، الحفر، السحابة الصفراء (موثقة بفيديو France 24).

دليل تقني: تحليل عينات التربة والدم، وتتبع سلسلة التوريد من الهند إلى بورتسودان.

دليل القيادة والسيطرة: الجيش هو الجهة الوحيدة التي تملك طيران حربي، والتحقيق أشار إلى أمر مباشر بإخفاء الآثار بعد العقوبات.

دليل النية: تحويل مادة مخصصة لمعالجة المياه إلى سلاح. de3e

حكومة بورتسودان نفت وقالت إن الاتهامات “ابتزاز سياسي وتزوير متعمد للحقائق”، وشكلت لجنة تحقيق داخلية قالت إنها لم تجد دليلاً. لكن القانون الدولي لا يعترف بلجان المتهم نفسه، بل يطالب بتحقيق دولي مستقل من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW). 5d98

إن استخدام الكيميائي ليس مجرد انتهاك عسكري، بل هو إعلان إفلاس أخلاقي وقانوني. ومن يبرر اليوم استخدام الكلور في الجيلي، سيبرر غداً استخدامه في الفاشر أو الجزيرة.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة