قراءة صحفية في دلالات قوله تعالى (الليل نسلخ منه النهار رسالة تربوية علمية ارسلها لي عبر الواتساب عمي الباشمهندس مهدي ابراهيم موسى كان لها مدلول عقدي رباني جعلني ابحث عدة مرات حتى توصلت الي النتيجة المشار إليها في المقال معنا نتلمس ونتدارس المعاني الربانية منذ أكثر من أربعة عشر قرناً نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، يحمل في ألفاظه من الدقة والعمق ما يجعل معانيه تتجدد مع تعاقب العصور وتطور العلوم. ومن الآيات التي تستوقف المتأملين في هذا الجانب قول الله تعالى في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾. آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالاتها، اختارت كلمة واحدة هي «نَسْلَخُ» لتصف مشهداً كونياً يتكرر كل يوم أمام أعين البشر، لكنه لا يزال يحمل من الأسرار ما يدعو إلى التأمل والتفكر. لماذا قال القرآن: «نَسْلَخُ»؟ في اللغة العربية، يُستخدم السلخ للدلالة على نزع الجلد أو القشرة الرقيقة عن الجسم. وعندما اختار القرآن هذا التعبير، لم يكن ذلك من قبيل الوصف العابر، بل جاء ليصوّر عملية انفصال الضوء عن الأرض بصورة بديعة ومؤثرة. لقد فهم المفسرون الأوائل – ومنهم الإمام الطبري وابن كثير – أن معنى الآية هو نزع ضوء النهار من ظلمة الليل، فإذا انقضى النهار عاد الظلام وحلّ الليل. وهذا التفسير صحيح في معناه اللغوي والشرعي، ويعبّر عن المشهد الذي تراه العين المجردة في كل يوم. غير أن تطور المعرفة العلمية أضاف بعداً جديداً للتأمل في الآية، دون أن ينقض التفسير القديم أو يتعارض معه، بل يكشف جانباً إضافياً من ثراء التعبير القرآني. سر كلمة «مِنْهُ» تتجلى الدقة القرآنية أيضاً في قوله تعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾. فالضمير في «منه» يعود إلى الليل، وكأن الآية تشير إلى أن الظلام هو الحالة الكونية الأصلية الممتدة في أرجاء الكون، بينما النهار ظاهرة مؤقتة مرتبطة بإضاءة جزء من الأرض بأشعة الشمس. وهنا يبرز مشهد مدهش؛ فالإنسان على سطح الأرض يشعر بأن الضوء هو الأصل، لكن حين غادر البشر كوكبهم إلى الفضاء اكتشفوا أن المشهد مختلف تماماً، فالفضاء المحيط بالأرض يبدو مظلماً رغم سطوع الشمس، وأن ما نراه من ضياء النهار يرتبط إلى حد كبير بتفاعل ضوء الشمس مع الغلاف الجوي للأرض. النهار… طبقة رقيقة من الضوء أظهرت الدراسات العلمية أن الغلاف الجوي الذي يمنح السماء لونها الأزرق ويجعل الضوء ينتشر حولنا يمثل جزءاً ضئيلاً جداً مقارنة بحجم الأرض. ومن هنا تبدو صورة «السلخ» في غاية الروعة؛ إذ إن المنطقة المضيئة التي نعيش فيها تبدو كأنها غلاف رقيق من النور يحيط بالكوكب، وما إن تدور الأرض مبتعدة عن مواجهة الشمس حتى تُرفع هذه الطبقة الضوئية تدريجياً، ليحل الظلام مكانها. إنها صورة لغوية بالغة القوة: ضوء يُنزع، وظلام يظهر، تماماً كما يُسلخ الجلد عن الجسد. فإذا هم مظلمون وتأتي خاتمة الآية لتزيد المشهد حيوية وإثارة: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾. فحرف الفاء يفيد التعقيب السريع، وكأن الانتقال من النور إلى الظلام يحدث في لحظة فاصلة وحاسمة. ومع أن الغروب يبدو للناس عملية تدريجية، فإن الحقيقة الكونية أن الأرض لا تتوقف عن دورانها، وأن خط الفصل بين الليل والنهار يتحرك باستمرار حول الكوكب، فيتحول المشهد من الإضاءة إلى الظلمة وفق نظام بالغ الدقة والإحكام. بين التفسير والإعجاز إن عظمة القرآن لا تكمن في تحويله إلى كتاب فيزياء أو فلك، وإنما في أن ألفاظه تأتي محكمة بحيث تستوعب الفهم اللغوي المباشر الذي أدركه العرب الأوائل، وتظل في الوقت نفسه قابلة للتأمل في ضوء ما يكتشفه الإنسان من حقائق الكون. فالمفسر القديم وجد في الآية وصفاً بليغاً لتعاقب الليل والنهار، والعالم المعاصر يقف أمام اللفظ نفسه متأملاً دقته في تصوير ظاهرة كونية معقدة، دون أن يحدث بين المعنيين أي تناقض أو تضارب. كلما تقدم العلم واتسعت معارف الإنسان، ازدادت حاجته إلى التأمل في هذا الكتاب العظيم. فالكلمة القرآنية ليست مجرد لفظ عابر، بل بناء محكم يحمل من المعاني ما يجعلها صالحة للتدبر في كل زمان. وفي قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ تتجلى روعة البيان القرآني؛ إذ يرسم مشهداً كونياً مهيباً بكلمة واحدة، كلمة تجمع بين البلاغة اللغوية، والتصوير البديع، والدعوة المفتوحة للتفكر في ملكوت السماوات والأرض.
سبحان من أنزل هذا القرآن، وجعل في كل آية منه باباً من أبواب التأمل والمعرفة والإيمان. Adam0128855131@gmail.com