أعمدة ومقالات

هل الحرب هي السبب… أم أن المشكلة في «الخلل الإداري»؟

بقلم السفير الصادق المقلي.

(* ١ )*

أولًا، عندما انتهيت من الاستماع إلى حديث الأستاذ عثمان ميرغني، تبادر إلى ذهني سؤال واحد:
هل ذهب عثمان ميرغني إلى لجنة الحوار السوداني ـ السوداني بهذه الذهنية، وبهذه الصورة المقلوبة للواقع؟
ما يثير الدهشة حقًا أن رجلًا ظل يظهر في الفضائيات بصورة شبه يومية، منذ انقلاب أكتوبر 2021، ثم تابع الراهن السوداني بكل تفاصيله منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، يخرج علينا اليوم ليقول بكل ثقة إن الحرب ليست السبب الرئيسي في الأزمة الاقتصادية، وإن المشكلة الأساسية تكمن في «الخلل الإداري» داخل الجهاز التنفيذي!
بل يذهب أبعد من ذلك، فيقول إن التقدير المفترض للتعافي الاقتصادي في ظل الحرب قد يكون درجتين من عشر، بينما الواقع ـ بحسب توصيفه ـ أصبح أقل من ذلك.
هنا تحديدًا تبدو لي الصورة مقلوبة.
لا أحد ينكر وجود خلل إداري، ولا أحد يقول إن أداء الدولة فوق النقد. بل على العكس، سوء الإدارة والفساد وضعف المؤسسات كلها قضايا تستحق المساءلة.
لكن أن يتحول «الخلل الإداري» إلى شماعة نعلّق عليها الانهيار الاقتصادي الذي نعيشه، مع تهميش أثر الحرب أو التعامل معها كعامل ثانوي، فهذا أمر يصعب فهمه.
عن أي اقتصاد نتحدث؟
وعن أي عجلة إنتاج؟
الاقتصاد، كما قال عثمان نفسه، هو عجلة إنتاج تتحرك لتخلق الدخل وتوفر السلع والخدمات وتوازن بين احتياجات المجتمع وما يستطيع الاقتصاد إنتاجه.
لكن ماذا حدث لهذه العجلة خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب؟
ماذا بقي من المصانع؟
ماذا بقي من سلاسل الإمداد؟
ماذا حدث للزراعة والتجارة والنقل والمصارف؟
ماذا حدث لرأس المال؟
ماذا حدث للعمال الذين فقدوا أعمالهم؟
وماذا حدث للمدن والأسواق والبنية التحتية؟
الحرب ليست مجرد عامل نفسي أو ظرف سياسي عابر حتى نقول إنها ليست سببًا رئيسيًا للأزمة الاقتصادية.
الحرب تدمر رأس المال المادي، وتعطل الإنتاج، وتقطع طرق التجارة، وتدفع الملايين إلى النزوح واللجوء، وتفقد الدولة مواردها، وتضغط على العملة، وتزيد الإنفاق العسكري والإنساني، وتضرب النظام المصرفي، وتُضعف الاستثمار، وتخلق اقتصادًا موازيًا، وتقطع الصلة بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك.
فكيف يمكن بعد كل ذلك أن نقول للمواطن إن المشكلة الأساسية هي فقط أن الجهاز الإداري لم يقم بواجبه؟
عن أي مواطن نتحدث أصلًا؟
نتحدث عن مواطن فرقت الحرب بينه وبين منزله وعمله وأسرته.
مواطن أصبح ملايين منه نازحين ولاجئين.
مواطن فقد مصدر دخله أو منزله أو متجره أو أرضه أو مصنعه.
مواطن يعيش في بلد دمرت الحرب أجزاء واسعة من بنيته التحتية، ويعاني من انهيار الخدمات الأساسية.
ثم نقول له إن المشكلة في «الخلل الإداري»؟
نعم، الإدارة السيئة تزيد الكارثة سوءًا، ولكنها ليست بديلًا عن تفسير أصل الكارثة.
والأغرب أن الحديث عن الاقتصاد جاء منفصلًا عن القطاعات الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية، وكأنها أزمات مستقلة يمكن تأجيل الحديث عنها.
لكن هذه القطاعات لم تنهَر في فراغ.
إنها جزء من الانهيار العام الذي صنعته الحرب، وتفاقم بفعل الأزمة الاقتصادية وضعف مؤسسات الدولة.
ثم تأتي المقارنة بقطاع الكهرباء في مصر.
المثال، في تقديري، misplaced تمامًا.
أنت تتحدث عن دولة لا تعاني من الوضع نفسه الذي يعيشه السودان في قطاع الكهرباء، ثم تستشهد بإجراءات تتخذها الحكومة المصرية تحسبًا لتطورات إقليمية محتملة وأزمة طاقة قد تتفاقم مستقبلًا.
لكن ماذا عن السودان؟

عن أي «ترشيد» للكهرباء نتحدث، والمواطن السوداني يعاني أصلًا من قطوعات قد تمتد في بعض المناطق إلى أسابيع أو أشهر؟
المشكلة هنا ليست أن الحكومة السودانية لم تضع ترتيبات احترازية للمستقبل فقط.
المشكلة أن الدولة عاجزة حتى عن إدارة الحاضر.
وهنا أصل إلى العبارة التي أدهشتني أكثر من غيرها، والتي ختم بها عثمان ميرغني حديثه:
«إذا لم تستدرك الحكومة الأوضاع الآن، سيكون هناك سيناريوهات أخفها وجود الحرب.»
هذه العبارة تحديدًا تحتاج إلى وقفة.
كيف تكون الحرب، وهي التي أخرجت الاقتصاد من قدرته الطبيعية على الإنتاج والتبادل والتوزيع، «أخف» السيناريوهات؟
وكيف يمكن أن تكون الأزمة الاقتصادية الحالية قابلة للفصل عن حرب أكلت الأخضر واليابس، ثم عن انقلاب سبقها وأدخل الدولة في عزلة سياسية واقتصادية ومصرفية؟
نحن لا نتحدث عن دولة مستقرة لديها جهاز إداري ضعيف فقط.
نحن نتحدث عن دولة أنهكها الانقلاب، ثم جاءت الحرب لتضاعف الانهيار.
وعندما تُعزل الدولة دوليًا وإقليميًا ومصرفيًا، وتتراجع قدرتها على التعامل مع النظام المالي العالمي، ثم تأتي الحرب لتدمر البنية التحتية وتعطل الإنتاج والتجارة والنقل، فإن الحديث عن «خلل إداري» باعتباره السبب الرئيس للأزمة يصبح ـ في أحسن الأحوال ـ اختزالًا شديدًا لواقع بالغ التعقيد.
بل قد يتحول إلى ذرٍّ للرماد في العيون إذا استُخدم لتبرئة الأسباب السياسية والعسكرية التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة.
أنا لا أدافع عن الحكومة، ولا أبرئ الجهاز الإداري من مسؤوليته.
لكنني أرفض أن نضع العربة أمام الحصان.
الإدارة السيئة قد تفشل في معالجة الأزمة.
لكنها لا تفسر وحدها لماذا انهارت قدرة بلد في حالة حرب على الإنتاج، ولماذا تعطلت سلاسل الإمداد، ولماذا نزح الملايين، ولماذا انهارت الخدمات، ولماذا فقد المواطن مصدر دخله، ولماذا أصبحت تكلفة الانتقال إلى العمل نفسها عبئًا يفوق قدرة كثير من الناس.
إذا أردنا معالجة الأزمة الاقتصادية فعلينا أن نبدأ من التشخيص الصحيح.
والتشخيص الصحيح لا يمكن أن يتجاهل الحرب، ولا الانقلاب الذي سبقها، ولا أثرهما على مؤسسات الدولة والاقتصاد والإنتاج والعلاقات المالية الخارجية.
نعم، نحتاج إلى إدارة أفضل.
نحتاج إلى مكافحة الفساد.
نحتاج إلى إزالة المعوقات البيروقراطية أمام الإنتاج.
نحتاج إلى تمكين المواطن من استغلال قدراته وموارد بلاده.
لكن قبل كل ذلك، يجب أن نعترف بالحقيقة البسيطة:
لا يمكن علاج اقتصاد دولة ممزقة بالحرب وكأنها دولة طبيعية تعاني فقط من سوء الإدارة.
المواطن السوداني لا يحتاج إلى سردية تبرر الواقع.
يحتاج إلى دولة توقف الانهيار، وتعيد له الأمن، وتفتح طرق الإنتاج والعمل، وتستعيد مؤسساتها، وتعيد بناء ما دمرته الحرب.
أما أن نطلب منه أن يتفهم الغلاء والانهيار لأن «الإدارة سيئة»، بينما نتجاهل الفيل الموجود في الغرفة، فهذا لا يقدم حلًا.
بل يؤجل مواجهة الحقيقة.
والحقيقة أن الأزمة أكبر بكثير من مجرد خلل إداري.
والحرب ليست هامشًا في هذه المعادلة… الحرب في قلبها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة