أعمدة ومقالات

الحرب امتداد طبيعي للانقلاب وليس تمردًا على الدولة

د. الأمين بلال مختار alaminmukhtar@hotmail.com

الحديث السائد اليوم عن أن ما يجري في السودان هو حرب بين جيش يمثل الدولة ومليشيا تمردت على مؤسسات الدولة، هو توصيف كاذب وغير منطقي تكذبه شواهد التاريخ والوقائع الماثلة.

تاريخ السودان الحديث منذ الاستقلال وحتى اليوم هو في جوهره تاريخ هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم عبر الانقلابات. ويكفي أن نتذكر تجربة حكم نميري لـ 17 سنة، وتجربة الإنقاذ لـ 34 سنة، والآن ومنذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 يسيطر العسكر على المشهد الوطني، يمنع تطور أي تجربة للحكم المدني الديمقراطي ويجهض الثورات وكل محاولات التغيير.

إن الأزمة الوطنية الحقيقية تكمن في الديكتاتورية الباغية والحروب الأهلية التي تسببت فيها الانقلابات العسكرية. وإشكالية غياب جيش قومي مهني واحد بعيد عن السياسة وبعيد عن التدخل في النشاط الاقتصادي. فتعدد الجيوش والصراع الدموي الحالي، الجيش هو الفاعل والمتسبب الرئيسي فيه.

طبعًا الكيزان حولوا كل مؤسسات الدولة لخدمة أجنداتهم الضيقة على حساب المواطن والوطن عامة واشعلوا الحرب مما يؤكد إن الوصول للحكم بقوة السلاح هو هدف تلك المجموعة . لذلك فإن جميع هذه المؤسسات في حاجة إلى تغيير شامل قومي حتى تضطلع بمهامها . وأي وصف لها بأنها مؤسسات دولة قائمة ومحايدة هو وصف غير دقيق إطلاقًا، وهو هروب من جوهر الأزمة.

إن التوصيف الخاطئ لشكل وأسباب الأزمة يعني بالضرورة معالجة خاطئة، معالجة تخدم في نهاية المطاف قضايا الفلول وقوى الردة وتساهم في تعقيد الوضع في السودان وإطالة أمد معاناة شعبه.

الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مواربة هي أن هذه الحرب ليست حدثًا معزولًا، بل هي امتداد طبيعي لمسلسل الانقلابات ونهج الهيمنة العسكرية والاستبداد. لا يمكن فصل هذه الحرب عن جريمة فض اعتصام القيادة العامة، ولا عن انقلاب 25 أكتوبر، فهي امتداد طبيعي لهما، الخيط واحد والمنهج واحد.

والدليل على ذلك أوضح من الشمس: الحملة المكثفة والممنهجة لشيطنة القوى المدنية، وحجم التلفيق والإشاعات ، فتشجيع الإثنية المسيسة وسياسة فرق تسد، وتغذية خطاب الكراهية وتأطير الصراع بالإطار الجهوي والقبلي، والإغراق في التمليش وتعدد الجيوش.

الهدف من كل ذلك ليس حماية الدولة كما يزعمون ، بل خلق بديل مصطنع يستهدف وجود الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وبالتالي تغييب كامل لمؤسسات الحكم المدني الديمقراطي، ليسود الاستبداد وحكم الفرد.

تلك هي الحقيقة التي يتهرب منها البعض إما عن قصد ومصلحة، أو عن جهل وقصور في قراءة الأحداث.فكرة وجود دولة بعد الحرب الحالية اصبحت معدومة يجب الإعتراف بالمشكلة ثم حلها برؤية وطنية كسبية تؤدي نهاية المطاف الي إعادة تكوينها وفق اسس جديدة وفي إطار إزالة الفجوات والجفوات بين بنات وابناء الوطن الواحد ؛بالعدالة والمساواة بين الكل .
اللهم أشهد إني قد بلغت
ولا يصح إلا الصحيح وبس

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة