أعمدة ومقالات

لا كرامة مع الحرب ولا حياة مع الاقتتال

بقلم/ إيهاب الأمين

في بلاد كان النهر فيها يضحك والسماء تبتسم تحولت الحياة إلى مقبرة واسعة والسودان اليوم ليس بلداً بل جرح مفتوح لا يتوقف نزفه ، حلت فيه الحرب كطائر أسود ناعب فبعثرت الأحلام ومزقت الآمال وأوقفت الأرزاق وأطفأت الشموع.. الشوارع التي كانت تضج بالحياة أصبحت الآن تعج بالأشباح والأرواح التائهة.. والأطفال تلك البراعم التي كانت تغرد في الصباح أصبحت جثثاً هامدة أو أرواحاً تطفئها رصاصات طائشة بعضهم مات وفي بطنه جوع وبعضهم مات وفي عينيه حلم لم يكتمل… ترى اللعبة ملقاة على التراب مختلطة بدماء براءة وأماً ثكلى لا تستطيع أن تحتمل أن فلذة كبدها لن يضحك لها مرة أخرى.
والأسر التي هربت من لهيب النار وجدت نفسها في لهيب آخر.. ناموا في العراء.. يتقلبون على حصى الأرض.. بالنهار تلفحهم الشمس الحارقة وكأنها نار جهنم وبالليل يتدثرون بالبرد القارس ويلتحفون التراب القاسي لا سقف يحميهم ولا يد تمتد لتواسيهم.. جاعوا حتى أكلوا أوراق الشجر وعطشوا حتى شربوا من برك الماء الآسن..
والنساء فاض بهن الوجع والفواجع فقدن أزواجهن في لحظات وأصبحن أرامل يجررن أذيال الحسرة.. تتجول إحداهن في الطرقات حائرة كسيرة تسأل السماء الصامتة من سيكفل أطفالها الأيتام.. كيف تطعمهم وهي لا تملك حتى ثمن كسرة خبز جاف؟ عيناها تذرفان دموعاً حارة على صغارها الذين يسألونها عن أبيهم وهي تعرف أنه رقد في التراب.
وكبار السن أولئك الذين عاشوا عمرهم كله مرفوعي الرأس أصحاب الكبرياء والأصالة السودانية خرجوا من ديارهم ليجدوا أنفسهم في بلاد الغربة أو حتى في زوايا الوطن يعاملون معاملة الشحاذين أو الحيوانات القذرة جلسوا على الأرصفة المتهالكة تمتهن كرامتهم الكلمات الجارحة وتصرعهم نظرات الاحتقار.. هم الذين كانوا سادة في بيوتهم أصبحوا اليوم لقطاء على قارعة الطريق ينتظرون رحمة عابر لا تأتي.
والفتيات تلك الوجوه التي كانت تزهو بالجمال والعفة بعن أغلى ما يملكن… بعن شرفهن وأجسادهن لينلن لقمة تعيد الروح أو ظلاً يقيهن حر الشمس.. يبعن كرامتهن في سوق النخاسة الحديث ليعشن في جحيم العار من أجل البقاء.. يا له من موت بطيء للروح قبل الجسد.. وأم تحفر قبر ابنها بيديها العاريتين وأظافرها تنزف مع تراب المقبرة وأب يحمل طفله الميت بين ذراعيه يدور به في الأزقة المدمرة باحثاً له عن كفن.. فلا يجد حتى قطعة قماش يوارى بها عورة فلذة كبده.. والنهر العظيم نيلنا الخالد تحول ماؤه إلى مرثية وكأنه يرفض الجريان خجلاً مما يرى على ضفتيه والعالم من حولنا يتفرج بصمت والإنسانية ماتت في قلوبهم قبل أن تموت في أرضنا.. والسودان ينزف والجراح لا تندمل.. كل حجر هناك يروي قصة مأساة وكل ذرة رمل تحمل صرخة يتيم.. اللهم ارحم هذا الشعب المنكوب وأكرم شهداءه وامسح دموع أرامله وأيتامه وأعد لهم كرامتهم التي سلبها الظالمون.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة