أعمدة ومقالات

البرهان يحشد الصحفيين ويُخرج الصحافة

أحمد عثمان جبريل

❝حين تتحول الصحافة من عينٍ على السلطة إلى طبلة في يدها.. فمن يبقى ليقول للناس الحقيقة؟❞

تقول الحكاية إن فرنسا عاشت واحدة من أشهر أزماتها السياسية والقضائية في قضية الضابط ألفرد دريفوس.. أُدين الرجل بالخيانة، وسط مناخ سياسي وعسكري مشحون، وتمددت رواية السلطة في الصحافة حتى كادت تصبح حقيقة لا تُناقش.

لكن إميل زولا، الكاتب والصحفي الفرنسي، لم يكتفِ بما قيل.. جمع الوثائق، وقرأ الوقائع، ثم كتب مقاله الذي سارت به الركبان (أنا أتهم) موجهاً خطابه إلى رئيس الجمهورية..
لم يبحث زولا عن مقعد إلى جوار السلطة.. بل وضع قلمه في مواجهتها حين رأى أن الحقيقة تُدفن تحت الرواية الرسمية.

ومن فرنسا.. نعود إلى السودان.

(1)

لنبدأ من حيث ينبغي أن تبدأ الحكاية:
ومن حيث ينبغي أن نؤكد قولا واحد: لا مشكلة لدينا في أن يلتقي الصحفي رئيس الدولة.. ولا عيب في أن يدخل على البرهان، يسأله ويستمع إليه.. فهذا من صميم عمل السلطة الرابعة.. والقيادة العامة والقصر، ليست منطقة محرمة على الصحافة.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح القرب من رأس الدولة إنجازاً بذاته.. وحين تتحول الصحافة من مساءلة السلطة إلى الاحتفاء بالقرب منها.

فالصحفي لا يُقاس بعدد الصور التي جمعها مع الحاكم.. وإنما بعدد الأسئلة التي حملها إليه، وبما قاله وكتبه بعد أن غادر مجلسه.

(2)

ما حدث في حشد الخرطوم يستحق التوقف..
وفد من الإعلاميين يلتقي البرهان في القيادة العامة، ثم تخرج بعض الأصوات وهي تنقل رواية اللقاء بحماسة تتجاوز وظيفة الخبر إلى ما يشبه التعبئة.. حديث عن التأثر، وذرف الدموع، والتصفيق، وتلاقي القلوب.. يا لها من دراما .

وهنا يصبح السؤال أكبر من اللقاء نفسه: هل ذهب هؤلاء إلى الحاكم ليقولوا له ما يقوله الناس؟..
أم ذهبوا ليسمعوا منه ما يريد للناس أن يسمعوه؟..
فاللقاء الصحفي يبدأ بالسؤال.. لا بالتصفيق.

(3)

ولأننا لا نريد أن نتحدث عن ظاهرة مجهولة الأسماء، فإن محمد عثمان أوكاك يقدم مثالاً يستحق القراءة..
فقد كتب أوكاك قبل أسابيع قليلة نقداً بالغ القسوة تجاه البرهان، وقدم قراءة حادة لطبيعة النظام السياسي الحاكم، ورأى في مجلس السيادة مؤسسة تضم (عدداً من الكومبارس) بل ذهب في كتاباته إلى تفسير مركز القوة خلف هؤلاء الكومبارس والمشهد برمته، داعياً بلغة صريحة إلى تغيير الوضع القائم، مستشهدا بكرسيا خاليا من البرهان.

ثم، بعد فترة قصيرة، نجده بين الإعلاميين الذين وصلوا إلى الخرطوم والتقوا الرجل نفسه، محتفيا بالتصوير معه.

لا نريد أن نقرأ نيته.. ولا نحتاج إلى ذلك.. يكفينا أن نضع كلام الأمس وصورة اليوم على الطاولة، ثم نسأل: (ماذا تغير خلال هذه الأسابيع حتى صار ما كان يستحق كل ذلك النقد.. يستحق كل هذا القرب؟)

(4)

وهنا أتذكر فيلم الممثل القدير أحمد زكي في (الراقصة والطبال).. عن قصة لإحسان عبد القدوس..
كان (عبده الطبال) يؤمن بأن الطبلة هي الزعيم.. وأن الراقصة تتحرك على الإيقاع الذي يصنعه هو..
ولذلك لم ير نفسه تابعاً للمشهد.. بل صانعاً له..
ولعل الفكرة تصلح مرآة لما نراه اليوم: (فالطبال لا يرقص.. لكنه يصنع الإيقاع).

والطبالون (البلابسة) لا يرقصون، لكنهم يصنعون للبرهان الإيقاع.. وقد لا يملك الطبال القرار، لكنه يستطيع أن يجعل المشهد كله يتحرك على النغمة التي يضربها.
وهنا تكمن الخطورة..
حين تتحول الصحافة من مراقبة الإيقاع إلى صناعته لصالح السلطة.

(5)

الطبال معروف.. فهو ظل يسبح بحمد السلطة، ويبرر لها كل شيء، ويجد لها العذر في كل شيء، ولا يحتاج إلى تعريف..
لكن الأخطر هو من يرفع راية النقد حين تكون السلطة بعيدة.. ثم يخفت صوته عندما تفتح له أبوابها..
والسوداني الذي أرهقته الحرب لا ينتظر من الصحفي (شو) أمام الكاميرا.. ولا يحتاج إلى دمعة أمام العدسة..
إنه يريد أمناً وأماناً واستقراراً..
يريد أن يعود إلى بيته آمناً.. أن يجد الماء والكهرباء والمستشفى والمدرسة.. يريد اقتصاداً يستطيع أن يعيش وسطه، وجنيهاً لا ينهار تحت قدميه كل صباح..
شعب إقتربت حربه من عامها الرابع، ولا يزال مشردا في الأصقاع، نازحا بين المدن والعواصم، و بعضه الذي عاد وجد أن العودة نفسها صارت امتحاناً جديداً في غياب الخدمات وانهيار مقومات الحياة..
(هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن يحملها الصحفي إلى البرهان)..
فالصحافة ليست خصومة دائمة مع الحاكم.. لكنها أيضاً ليست علاقة إعجاب به (وشو)..
الصحافة يا هؤلاء (مسافة)..
فإذا سقطت المسافة.. سقط السؤال.
وإذا سقط السؤال.. تحولت الكاميرا إلى أداة دعاية، وتحول القلم إلى طبلة.

(6)

ولذلك لا تعنينا كثيراً تلك الفيديوهات التي خرج بها بعض الإعلاميين إلى الشوارع، يسألون الناس عقب لقائهم البرهان: (أين الكيماوي؟) يا لسخريات الأقدار والمشاهد .. أي كوكب قذف بهؤلاء..
كيف يبسطون الأشياء على نحو لا يحترم عقول الناس .. ذلك لأن القضية أخطر من أن تحسمها كاميرا هاتف في شارع..
إذا كانت هناك اتهامات باستخدام سلاح كيميائي، فمكان الإجابة هو التحقيق المهني، والأدلة، والعينات، والمختبرات، والخبراء، والجهات الدولية المختصة.. لا مسرح الاستعراض الإعلامي في الهواء الطلق..
فالصحافة لا تثبت البراءة بالصراخ.. ولا تثبت الإدانة بالهتاف..
الصحافة تسأل: (أين الدليل؟)
ثم تقول: (هذا هو الدليل)..
أما سؤال (أين الكيماوي؟) فلا يصنع حقيقة.. تماماً كما سؤال البرهان(أين الكيزان؟) لا ينفي حقيقة.

(7)

وهنا نعود إلى السؤال الأول: (لمن تعمل الصحافة؟) ..
المطلوب من الصحفي ألا يكون ضد البرهان لمجرد أنه رأس السلطة.. وألا يكون معه لمجرد أنه يجلس في القصر..
المطلوب أن يكون مع الحقيقة، كما فعل إميل زولا، يدخل على الحاكم إن أراد.. لكن يحمل معه أسئلة الناس، ويخرج من عنده بقلم ما زال ملكاً له.. ثم يقول للناس:
(هاكم.. اقرأوا.) ..
وفي قضية دريفوس، لم يبحث إميل زولا عن (شو) مع السلطة.. بحث عن الحقيقة، وحين وجد أن الحقيقة تُدفن تحت الرواية الرسمية، رفع قلمه وقال: (أنا أتهم)..
وفي تاريخنا الإسلامي، جاءت خولة بنت ثعلبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل قضية بيتها، فجادلت واشتكت، حتى سمع الله قولها، فنزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾..
ثم أعادت المشهد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوقف لها واستمع إليها، ثم قال عبارته المشهورة أتركها يارجل تتحدث: (هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، أفلا يسمعها عمر؟)

تأملوا المشهد..
(دريفوس احتاج إلى زولا يحمل الحقيقة.. وخولة حملت قضيتها حتى سُمعت.)..
لم يكن المهم من يجلس أمامها.. بل ما تحمله من حق..
وهنا الفارق كله:(الصحافة التي يحتاجها السودان ليست التي تعرف كيف تصل إلى الحاكم.. بل التي تعرف ماذا تقول له حين تصل)..
وفي (الراقصة والطبال) كان الطبال يظن أن الطبلة هي الزعيم..
أما الصحافة، حين تصبح طبلة، فلا يعود السؤال:(من يملك الميكروفون؟) بل: (من يضرب الإيقاع؟).

ومضة:

دريفوس وجد في زولا قلماً لم يخشَ السلطة..
وخولة حملت شكواها حتى صارت آية تتلى..
أما الصحفي الذي يترك صوته عند باب السلطة.. فلا يبقى منه إلا (شو) عابر، وتصفيق عابر، وصورة عابرة.

توقيع أفق الحرف:

أفق يترفق باتساعه ليقول: “القلم الذي يحمل قضية الناس لا يحتاج إلى (شو).. وحين يفقد مسافته من السلطة، يفقد طريقه إلى الناس.”
إنا لله ياخ..
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة