المفارقة أن يكون هناك حوار سوداني مدني قائم، والادعاء بأنه بعيد عن الحكومة الانقلابية، و(تحتويه) في ذات الوقت مجموعة صحفيين داعمين لذلك الانقلاب، ويتم جمعهم برعاية استخباراته داخل (كانون) لقبض ثمن بصمهم على دعم استمرار العسكر في السلطة ودعم هذه الحرب العبثية، والأدهى والأمرّ أنهم اصطفوا للتوقيع على ذلك بحضور قائد الاستخبارات. ثم أُخذت مجموعة (منتقاة) من الكيزان منهم لمصافحة قائد الانقلاب في محاولة لتلميعه ليقص عليهم مرتاحاً (حكاوي) مسلسل هروبه من داخل القيادة، وبطولته الكذوبة بالطلب من البشير عدم تسليح الدعم السريع، ومحاولة مجموعة من (صمود) تسليم السلطة له ولكنه رفض، وأشياء أخرى لا يصدقها (طفل في روضة)، ولا تفيد الشعب السوداني في شيء في ظل المعاناة والضنك الذي يعيشه، وكأنها (جلسة سمر) وسط كومة من الخراب، وكأنما تلك المجموعة من الأصدقاء القدامى دخلوا (للدردشة) معه، وليسوا صحفيين يمثلون الشارع الذي يحمل الكثير من القضايا والجروح والأوجاع لوضعها أمامه، في وقت يضج فيه الشارع بالإضرابات المطلبية، وتحترق فيه البلاد بالحروب، وتختنق فيه البلاد بغلاء الأسعار والانهيار الكامل لقيمة الجنيه.
وبغض النظر عن كل تلك (الأكاذيب) وهو يعلم وكل الشعب السوداني يعلم بأنها أكاذيب، فكيف سمح هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم قادة للرأي بأن يستلموا (مظاريف) خيانة الشعب علناً، ليخرجوا باحثين عن (الكيماوي) في الشوارع، شاهرين أقلامهم الملوثة بالمال الحرام لتمجيد كاهنهم الذي يعلمون ويعلم الجميع تاريخه الأسود؟ وكان بعضهم يكتب عن (حميدتي رجل الدولة الصاعد)، وليس أحدهم فقط بل إن جميعهم (قبضوا) الأموال منه لتمجيده، واسألوا (بقال) عن كيف كانوا ينتظرون على أبواب مكتبه بالساعات منكسرين في انتظار (الظرف) والتعليمات!
الصحافة كلمة صادقة وشفافة وموقف ثابت، وانحياز بلا وجل أو خوف أو غرض لقضايا الوطن والمواطن، وكل من كانوا في تلك القاعة يخدعون أنفسهم قبل الشعب، وهم يصفقون ويبكون ويضحكون لذلك (المسيلمة)، وهم يدركون تماماً بأنه قاتل وكاذب وسفاح، وأن قصصه ووعوده التي يحدثهم عنها كلها هباء، فلا هو سيعمل على إنهاء تمليش الدولة، ولا هو قادر على إعادة البلاد إلى سكة الرخاء، وأن كل ما يقوم به ويقوله هو فقط ليظل على كرسي الحكم لأطول فترة ممكنة.. وهو يعلم وهم يعلمون بأن لكل أجل كتاباً، وأن كل هذا الهرج سينتهي كما انتهى هرج الكثير من الطواغيت قبله، وأن مستقبل الوطن يظل في الحكم المدني الديمقراطي.. وهو قادم مهما طال ليل الظلم.. والثورة أبداً لن تتوقف. والمحاسبة لها يوم قريب بإذن الله. والرحمة والخلود لشهدائنا.