طيف أول: تعلّمتَ سبل النجاة متأخرة، حين لم يعد فيّ شيء يخشى الغرق!
ولأن الفريق عبد الفتاح البرهان الآن في أضعف لحظة سياسية منذ بداية الحرب، يقابلها اهتمام متزايد من المجتمع الدولي الذي يعمل بقوة عبر دوائره العدلية لمحاصرة الجنرال، يحاول الأخير الانتقال من الحديث السياسي إلى القصص العاطفية . ولا أدري إن كان حال البرهان هو الذي يستدعي الدموع، أم حال الشعب والوطن. لكن هذه المحاولة التي قام بها لاستدرار العواطف هي أداة سياسية يجابه بها الضغط الدولي الكبير. لذلك يلجأ إلى المبالغة في البطولة، ونفي الوقائع، وإعادة صياغة الأحداث على طريقته، وذلك عبر الهجوم على خصومه بالكذب والافتراء، وتضخيم دوره الشخصي. فالجنرال يحاول إظهار أنه غير مبالٍ بما يُحضَّر له دوليًا، وهذه كلها أدوات خطابية تُستخدم عندما يكون القائد في موقف دفاعي لكنه يريد أن يبدو في موقف هجومي. وعندما بدأ البرهان دعوته للحوار، حاول نقل المعركة من الميدان إلى السياسة، وعندما فشل سياسيًا حاول نقلها إلى العاطفة، فقصَد تجميع أكبر قدر من التعاطف الشعبي قبل أن يتحرك المجتمع الدولي بخطواته القادمة ضده. فالمجتمع الدولي يحضّر ملف الكيماوي، ويجهّز لحظر السلاح، ويعيد صياغة المسار السياسي، ويعتبر أن الحرب وصلت إلى مرحلة تتطلب تدخلاً دوليًا. وفي هذه اللحظة، يلجأ القائد عادة إلى القصص المؤثرة ليقول للشعب:“أنا الذي قاتلت لأجلكم… كونوا معي.” فهذه ليست رواية معلومات عن حياته داخل محيط القيادة، بل محاولة لبناء علاقة وجدانية مع الجمهور. لذلك أتى البرهان بمن يجيدون هذا النفاق الاجتماعي ليصدّروه لمتابعي صفحاتهم، وهي حيلة متواضعة، وآلياتها وأدواتها بدائية. حتى إن دموع التماسيح حين تحاول التعبير عن الألم والحرقة، كان أصحابها يختارون الوجع الحقيقي، فالبلاد مليئة بالكوارث والفواجع. ولكنك عندما تكون بوقًا للسلطان ستضحك لنكتته السخيفة، وتصفق له بلا إعجاب، وتبكي لروايته المزيفة. فالمجتمع الدولي لا يهتم بالمشاعر، بل يهتم بالأدلة. وهو يتحرك الآن وفق أدوات سياسية وقانونية واضحة، كلها ذات أثر مباشر على مسار الحرب ومستقبل السلطة في السودان. فهو مشغول ببناء ملف قانوني ضد الحرب، وجمع الأدلة المتعلقة باستخدام السلاح الكيماوي، وتوثيق الانتهاكات في الخرطوم والجزيرة ودارفور، سواء ارتكبها الدعم السريع أو الجيش، وإعداد تقارير تُرفع لمجلس الأمن ولجان العقوبات، والعمل على ربط هذه الانتهاكات بمسؤوليات قيادات محددة. وهذه ليست إجراءات إعلامية ليكون الرد عليها بجمع إعلاميين، بل خطوات قانونية تمهّد لقرارات دولية. فلو كان البرهان جمع أهل القانون والمختصين في مجال القانون الدولي والمنظمات الحقوقية، لنظر الناس بمنطق مختلف لمثل هذه اللقاءات. كما أن عملية الدفع نحو حظر السلاح، وتوسيع نطاق الحظر ليشمل كل السودان، والبحث عن أدوات الضغط عبر مجلس الأمن أو عبر الخيار البديل، تعني أن المجتمع الدولي يعمل لتنفيذ عملية خنق ميدان الحرب عبر السلاح. لذلك، عند النظر إلى الفعل الدولي المتسارع تجاه البرهان، نجد الجنرال في الداخل يتحرك في اتجاه مختلف تمامًا، يعتمد على العاطفة والقصص الشخصية بدلًا من الأدوات السياسية. فالمجتمع الدولي يكتب قرارات، وبينما تُصاغ الملفات في الخارج، ينشغل الداخل بقضايا انصرافية لا تغيّر شيئًا في المشهد. فالبرهان لم يتعلم من البشير سوى التشبث بالسلطة والسخرية من المجتمع الدولي، رغم أن العبرة أمامه واضحة: الإطاحة بالبشير من الحكم قبل أن تطاله يد العدالة. فمن حول البرهان يضللونه بأن الجنائية لم تفعل شيئًا، بينما الحقيقة أن البشير عندما أطاحت به ثورة ديسمبر من السلطة كان المجتمع الدولي يتفرج، لأن الشارع أزاح طاغية، ولا يستقيم استمرار الحكم لرئيس تطارده الاتهامات بجرائم حرب. لذلك فإن حلم الحكم الذي يراود الجنرال منذ سنوات سيتبدد في لحظة، وعندها لن تجدي هذه الدموع.
طيف أخير: #لا_للحرب التقى قائد الجيش أمس بالمبعوث البريطاني في الخرطوم، وزيارة مسؤول بريطاني من قبل حملت رسائل سبقت عقوبات أمريكية على الجنرال. إذن ما الذي تحمله الرسالة الثانية، وما الذي يأتي بعدها!