أعمدة ومقالات

الفقرة ١١

أطياف

صباح محمد الحسن

طيف أول :

للرؤى التي جُرحت من لثمة،
وللصدى العائد من لفافة البارود،
وللمشاعر التي وُلدت كفيفة،
وللظل الذي صفع وجهه على الماء!!

وفيما يتعلق بمشروع قرار تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق بشأن الوضع في السودان، شهدت جلسة المشاورات الأولى لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، الخاصة بمشروع قرار تمديد البعثة أمس الأول، اصطفافًا دوليًا واضحًا كشف عن عمق الانقسام في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، وعن التوازنات الدقيقة بين مبادئ السيادة من جهة، ومتطلبات المحاسبة وحماية المدنيين من جهة أخرى. وقد جاءت مداخلات الوفود لتؤكد أن السودان لم يعد مجرد ملف حقوقي، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وتنعكس عليها أولويات كل دولة ورؤيتها لمستقبل النظام الدولي.
فالسودان تمسّك بخطاب السيادة ورفض تعدد الآليات، إذ كرّر الوفد موقف سلطة الأمر الواقع الرافض للبعثة ولتمديد ولايتها، متعللًا بما أسماه تعددية الآليات الدولية العاملة على الملف السوداني (مكتب قطري، خبير معيّن، فريق خبراء في نيويورك، والبعثة المستقلة)، معتبرًا ذلك تكرارًا وإهدارًا للموارد.
ولا أدري ما علاقة عمل البعثة وتحقيقها في جرائم الطرفين بالعبارة المستهلكة للحكومة (رفض مساواة القوات المسلحة بالحركات المتمردة)، التي قالها الوفد ،في خطاب واضح يعكس أن الحكومة تخشى من أن نتائج التحقيق هي التي تساوي بينها والدعم السريع.
وانسجم خطاب وفد الحكومة السودانية مع مواقف دول أخرى مثل مصر، الصين، الجزائر، تركيا، وقطر، والتي شددت جميعها على رفض أي آلية لا تحظى بموافقة الدولة المعنية. وهذه المجموعة تمثل ما يمكن تسميته بـ “محور السيادة” داخل المجلس.
لكن بالمقابل، برز المحور المتمسك بالمحاسبة وحماية المدنيين، ومثّلته الدول الغربية التي دعمت بقوة مشروع القرار، وطالبت بتمديد ولاية البعثة لعامين، مع التركيز على المحاسبة، حماية المدنيين، وتوثيق الفظائع، خاصة في الفاشر. ومن بين هذه الدول: كندا، فرنسا، سويسرا، النمسا، بلجيكا، اليابان، البرتغال، أستراليا، البرازيل، ودول أخرى.
وهذه الدول ترى أن الوضع في السودان بلغ مستوى من الانتهاكات لا يسمح بالاعتماد على آليات وطنية أو إقليمية فقط، وأن استمرار التحقيقات ضرورة لمنع الإفلات من العقاب، ولحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.
واتخذت جنوب أفريقيا موقفًا وسطًا بين السيادة والمحاسبة؛ فقد رحبت بالقرار لكنها طالبت بتفصيل أكبر للفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، وفي الوقت نفسه دعمت تمديد الولاية لعام واحد فقط، مما يعكس رغبة بريتوريا في الحفاظ على توازن دقيق بين احترام سيادة الدول، وبين الاعتراف بضرورة المحاسبة في الحالات التي تتجاوز فيها الانتهاكات حدود المعقول.
لكن أبرز النقاط الخلافية ظهرت في الجلسة حول الإشارة إلى الرباعية في الفقرة (11) من مشروع القرار.
فالإمارات أصرت على الإبقاء على الإشارة، معتبرة أن جهود الرباعية جزء أساسي من مسار وقف الحرب.
في المقابل، طالبت مصر والجزائر وجنوب أفريقيا بحذفها، بحجة عدم مساواة جهود الرباعية بمبادرات الاتحاد الأفريقي والإيقاد. وهذا الخلاف يعكس التباين الإقليمي الذي تحدثنا عنه بالأمس حول الأزمة السودانية، ويشير إلى أن الملف أصبح ساحة تنافس بين مسارات متعددة: مسار أفريقي، ومسار إقليمي، ومسار دولي.
أما الدول الثلاث التي أعلنت رفضها الصريح لمشروع القرار هي إريتريا، روسيا، والصين فترى أن أي آلية لا تحظى بموافقة الدولة المعنية تمثل انتهاكًا للسيادة، وأن تعدد الآليات يخلق ازدواجية غير مقبولة. وهذا الموقف يعكس رؤية سياسية أوسع تتبناها هذه الدول كمحور حليف للجنرال.
وفي ختام الجلسة، اتخذت المنظمات الدولية موقفًا قويًا؛ إذ اتفقت هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، والمركز الأفريقي لدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان على إدانة طرفي النزاع بوضوح، وبتمديد الولاية لعامين، وبتقوية صلاحيات البعثة في مجال المحاسبة، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والعاملين في الإغاثة.
وهذه المداخلات تعكس أن المجتمع المدني الدولي يرى أن السودان يمر بمرحلة حرجة تتطلب آلية قوية وفعالة، وليس مجرد بعثة رمزية.

طيف أخير :
#لا_للحرب
قالت مصادر أمس إن الفريق عبد الفتاح البرهان طلب زيارة عاجلة للسعودية، لكن القيادة السعودية حتى الآن لم تحدد له موعدًا. ويريد أن تكون زيارته سابقة للقرارات التي يعتزم اتخاذها، إذ أكدت المصادر أن البرهان لن يعفي الحكومة بالكامل، لكنه سيجري بعض التعديلات، وأن كامل إدريس ربما سيحتفظ بمنصبه رئيسًا للوزراء، بسبب أن قائمة المرشحين للمنصب لم تلقَ قبولًا من الفريق البرهان. كما أن الإعفاء سيطول عددًا من الوزراء، ولكن ليس من بينهم وزير المالية جبريل إبراهيم. وكشفت المصادر أن ثمة اتجاهًا لإعفاء محافظ بنك السودان المركزي.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة