أعمدة ومقالات

الحوار ليس غاية في ذاته


إلى الأستاذ ضياء الدين بلال: صمود لم ترفض الحوار… لكنها ترفض حواراً من أجل الحوار.

بقلم السفير الصادق المقلي.

( A ) تابعت في منصة (( الطريق 18 )حديثا للأستاذ ضياء الدين بلال وتساؤله عن موقف «صمود» من الحوار: لماذا ترفض صمود الحوار؟ ولماذا لا تحضر وتطرح رؤاها؟ إذا كانت قد جلست مع حميدتي في يناير 2024.. و هل كان حوار ام مجرد دعوة للتداول عن إعلان مبادئ قبلها حميدتي و وافق ثم عدل عن موافقته البرهان.. ؟؟ أعتقد أن السؤال يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأن صمود لم ترفض مبدأ الحوار، وإنما طرحت، كما أفهم موقفها، سؤالاً أكثر جوهرية:

أي حوار؟ وفي أي ظروف؟ وإلى أي غاية؟
فالحوار ليس فضيلة في ذاته إذا تحول إلى مجرد جلسة يتحدث فيها المتحاورون، ثم ينفض الاجتماع ليعود كل طرف إلى مواقعه وسلاحه، بينما تستمر الحرب ويموت السودانيون.
نحن لا نحتاج إلى حوار من أجل الحوار.
نحتاج إلى حوار يؤدي إلى نتيجة.
ولعل أفضل شاهد على ذلك تجربة «حوار الوثبة» في عهد الإنقاذ.
فقد استمر ذلك الحوار سنوات، وخرج بتوصيات بلغت، بحسب ما أُعلن وقتها، 994 توصية، ثم انتهى الأمر بأن ألقى بها النظام في سلة المهملات.
أي إن المشكلة لم تكن في غياب الحوار.
كان الحوار موجوداً.
وكانت القاعات موجودة.
وكانت التوصيات موجودة.
لكن الإرادة السياسية لتنفيذ مخرجاته لم تكن متوافرة بالقدر الكافي.
فما الذي يمنع من إعادة التجربة نفسها؟
أن نجلس عاماً أو عامين، أو أكثر، ثم نخرج بمئات التوصيات، بينما تظل البندقية صاحبة الكلمة الأخيرة؟
بل إن الظروف التي يُطرح فيها الحوار الآن أكثر تعقيداً بكثير من الظروف التي انعقد فيها حوار الوثبة: حرب مفتوحة، وانقسام عسكري وسياسي، واقتصاد منهك، ونزوح ولجوء، ودمار هائل، وتداخلات إقليمية ودولية، وانقسامات اجتماعية وجغرافية وديموغرافية عميقة.
ولهذا فإن السؤال ليس:
لماذا لا نجلس؟
وإنما:
كيف نجلس بحيث يكون للجلوس معنى؟
صمود لم ترفض الحوار
من المهم هنا ألا ننسب إلى «صمود» موقفاً لم تتبنَّه.
رفض الحوار من حيث المبدأ شيء، والقول إن الحوار في ظل استمرار الحرب ومن دون إجراءات تمهيدية لن يحقق الغاية المطلوبة شيء آخر تماماً.
فإذا كان الهدف فعلاً إنهاء الحرب، ووقف الكارثة الإنسانية، وإعادة تطبيع الحياة والعلاقات الخارجية للسودان، فلا بد أن يسبق الحوار أو يواكبه عدد من الإجراءات التي تهيئ له فرصة النجاح.
وفي مقدمة ذلك:
وقف إطلاق النار.
ثم اتخاذ إجراءات حقيقية لبناء الثقة بين أطراف الأزمة.
ثم توفير ضمانات تجعل المتحاورين قادرين على الوصول إلى اتفاق وتنفيذه.
ثم معالجة قضية العدالة والمساءلة بصورة لا تحولها إلى وسيلة للانتقام، ولا تجعلها في الوقت نفسه حصانة مطلقة لمن ارتكب الجرائم.
وهنا تحديداً لا أفهم كيف يمكن أن تكون أخالحصانة المؤقتة بديلاً عن بناء الثقة والضمانات السياسية والقانونية.
فالعدالة لا ينبغي أن تكون عقبة أمام السلام، كما أن السلام لا ينبغي أن يكون ذريعة لإلغاء العدالة.
المطلوب صيغة تحقق الأمرين معاً.
لقاء يناير 2024 مع حميدتي ليس «حواراً» بالمعنى الذي نتحدث عنه
أما المقارنة التي عقدها الأستاذ ضياء الدين بين جلوس «صمود» مع حميدتي في يناير 2024، وبين دعوتها الآن إلى الجلوس مع القوى المدنية والسياسية، فأراها مقارنة في غير موضعها.
لماذا؟

لأن لقاء يناير 2024 لم يكن حواراً سياسياً شاملاً، ولم يكن مفاوضات لتقاسم السلطة، ولم يكن مؤتمراً للقوى المدنية.
كان لقاءً ذا طبيعة مختلفة تماماً، في إطار محاولة لعرض رؤية تهدف إلى نزع فتيل الأزمة وفتح الطريق أمام وقف الحرب والحل السياسي.
والأهم أن الغرض من التواصل لم يكن أن تقول «صمود» إن أحد طرفي الحرب يملك وحده مفتاح الحل.
بل كانت الفكرة، كما أفهمها، أن تُعرض الرؤية على طرفي النزاع: القوات المسلحة والدعم السريع.
وبحسب ما أُعلن في ذلك الوقت، أبدى الدعم السريع استعداداً للتفاعل مع المبادرة، بينما لم يتم اللقاء المقابل مع قيادة الجيش بالصورة المأمولة، فانتهت المبادرة قبل أن تتحول إلى مسار تفاوضي مكتمل.
ولهذا فإن الاستدلال بذلك اللقاء للقول:
«إذا جلست صمود مع حميدتي، فلماذا لا تجلس مع القوى المدنية؟»
لا يستقيم منطقياً.
فالجلوس مع أحد أطراف الحرب في محاولة لنزع فتيلها ليس هو نفسه الجلوس في مؤتمر سياسي جامع لمناقشة شكل الدولة والسلطة والمرحلة الانتقالية.
السياق مختلف، والغرض مختلف، وطبيعة اللقاء مختلفة.
وهل يكفي أن يكون الحوار داخل السودان؟
وهنا أختلف أيضاً مع الفكرة التي سبق أن عبّر عنها الأستاذ ضياء الدين، ومؤداها أن الحوار يكفيه، في حد ذاته، أن يجري داخل السودان.
أتمنى أن تكون المسألة أعمق من ذلك.
فالمكان مهم، نعم.
لكن المكان لا يصنع الحوار الناجح.
يمكن أن نعقد الحوار في الخرطوم، وفي قاعة داخل الخرطوم، وتحت الأضواء السودانية، وبحضور سوداني كامل، ثم يفشل الحوار إذا كانت الحرب مستمرة، وإذا كان كل طرف يعتقد أنه يستطيع فرض رؤيته بالسلاح، وإذا لم توجد ضمانات لتنفيذ المخرجات.
وبالمقابل، قد يُعقد جزء من الحوار خارج السودان، لكنه يكون أكثر فائدة إذا أدى إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، والاتفاق على ترتيبات انتقالية، ثم عاد السودانيون إلى بلادهم ليبنوا دولتهم.
لذلك فإن سودانية الحوار لا تُقاس فقط بمكان انعقاده، وإنما بملكية السودانيين لقراره ومخرجاته.
الحوار يجب ألا يتحول إلى غطاء للأمر الواقع
وهنا أصل إلى النقطة الأهم.
نحن لا نريد حواراً يتحول إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع.
لا نريد أن يأتي طرف بالسلاح الذي يسيطر به على الأرض، ثم يدخل به إلى قاعة الحوار ليحصل من خلاله على شرعية سياسية لما فرضه عسكرياً.
ولا نريد في المقابل أن تُستخدم مؤسسات الدولة القائمة، أو السيطرة العسكرية على مناطق معينة، بديلاً عن التفويض الشعبي والسياسي.
الحوار الحقيقي ينبغي أن يكون طريقاً لتغيير الأمر الواقع، لا لإضفاء الشرعية عليه.
فإذا كانت هناك سلطة أمر واقع هنا أو هناك، فإن وظيفة الحوار هي أن تنقل السودان من سلطة الأمر الواقع إلى سلطة الشرعية الوطنية والمؤسسات.
وهذه نقطة جوهرية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نجلس ونتفاوض، ثم نخرج باتفاق لا ينهي الحرب، وإنما يعيد توزيع مواقع القوى التي أنتجتها الحرب.
عندها لن يكون الحوار قد حل الأزمة.
سيكون فقط قد أعاد إنتاجها في صورة سياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة