من أعقد أوهام بعض القوى السياسية السودانية التخندق الأيديولوجي تحت غطاء المعسكر الاشتراكي، ورفع شعارات مواجهة الإمبريالية والتمدد الليبرالي كقدر لا يقبل المراجعة. وقد كان هذا الوهم أحد الأسباب الجوهرية للتشاكس والانقسام خلال حكومة الثورة، إذ قدمت العقيدة الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية الجامعة، وقدمت المزايدة الخطابية على مهام البناء الديمقراطي وإنجاز شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة.
لقد انشغلت تلك القوى بمعارك وهمية ضد عدو متخيل، بينما كانت البلاد أحوج ما تكون إلى التوافق وبناء المؤسسات ومعالجة الإرث الثقيل للنظام البائد. فتبددت الطاقة في صراعات صفرية، وتشظت قوى الثورة، وفتحت الثغرات التي تسلل منها الانقلابيون وأعداء التحول المدني.
إن الموقف الوطني العقلاني لا يقاس بحدة عدائه اللفظي للخارج ولا بارتمائه الكامل في أحضانه، بل بقدرته على التمييز الدقيق بين تدخل ينتهك السيادة وينهب الموارد ويغذي الاستبداد، وتدخل إنساني متضامن يسند تطلعات الشعوب في الحرية والكرامة. فالدول لا تبني سيادتها بالشعارات الجوفاء والانغلاق والاستعلاء الخطابي، بل ببناء دولة عادلة وقوية ومؤسسات رشيدة تحسن إدارة علاقاتها الدولية بما يخدم مصالح شعبها.
إن الإصرار على شيطنة كل دور خارجي لا يخدم سوى تجار الحرب ودعاة استمرارها، إذ يحرم الضحايا من السند الدولي، ويعزل القوى المدنية، ويمنح أمراء القتال غطاء زائفا باسم الوطنية. والوطنية الحقة هي ما ينحاز إلى وقف نزيف الدم، ويفتح الأبواب لكل جهد مخلص يفضي إلى السلام العادل والشامل والدائم.ولايصح الا الصحيح وبس.