أعمدة ومقالات

العقد الاجتماعى ضروره وجوديه لدوله مابعد الحرب.

(انهاء الحرب شرط لبناء السلام، وبناء السلام شرط لاعاده تاسيس الدوله).

٢ اكتوبر ٢٠٢٦م
مقدمه
عبدالجليل الباشا

فى اجتماعها يوم الثلاثاء الموافق ٨ سبتمبر ٢٠٢٦م، قررت قوى ميثاق القاهره تنظيم منتديات حواريه حول موضوع العقد الاجتماعى بحيث تخلق مساحه تتمكن من خلالها كل القوى السياسيه والمدنيه من طرح رؤاها حول هذه القضيه المحوريه بهدف خلق توافق سودانى حول دولة مابعد الحرب.

و لقد حفّزني عمق الحوار وشفافيته، وما اتسم به من جدية وثراء فكري، إلى جانب أهمية الموضوع وحماس المشاركين وتفاعلهم، على التعمق في تناول قضية العقد الاجتماعي السوداني؛ ليس باعتبارها مجرد فكرة نظرية، وإنما بوصفها مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب.

وانطلاقًا من ذلك، سعيت إلى تناول الموضوع من مختلف جوانبه، بدءًا من الخلفية التاريخية لنشأة مفهوم العقد الاجتماعي، والدواعي والمبررات التي تستدعي طرحه في السياق السوداني، ومفهومه ومكوناته الأساسية، والعلاقة بين العقد الاجتماعي والدستور، وصولًا إلى بحث كيفية صياغة وصناعة عقد اجتماعي جديد يستجيب لتعقيدات الواقع السوداني وتنوعه السياسي والاجتماعي والثقافي فى ظل ما خلفته هذه الحرب اللعينه من فواجع على كافة المستويات.

وتهدف هذه المقاربة، في نهايتها، إلى الانتقال من الإطار النظري إلى الجانب العملي، من خلال المساهمه فى تقديم مسودة أولية للعقد الاجتماعي السوداني الجديد، بما يفتح المجال أمام حوار سوداني واسع حول أسسه ومبادئه وآليات بنائه، باعتباره إطارًا جامعًا لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ المواطنة المتساوية، وتحقيق السلام والاستقرار.

اوجه التشابه والاختلاف مابين مرحله انهاء الازمه وبناء الدوله.

من نافله القول ان غالبيه اهل السودان ممثل فى قواه السياسيه والاجتماعيه مشغولين بمخاطبه الازمه الراهنه من حيث وقف وانهاء الحرب وحماية المدنيين وايصال المساعدات الانسانيه وبلورة عمليه سياسيه شامله وذات مصداقيه تقود البلاد الى مرافىء التحول المدنى الديمقراطى الكامل والسلام العادل، بيد ان ذلك رغم اهميته وضرورته لايعنى التماثل بين مرحله انهاء الازمه وبناء الدوله، فهما مرحلتان مترابطتان لكنهما غير متطابقتين، فالاولى شرط لازم للانتقال للثانيه، وعليه تفاديا للخلط مابين مرحله مخاطبه الازمه الراهنه ومرحله بناء الدوله، نقول ان وقف الحرب ليس هو بناء السلام، كما ان انهاء الازمه ليس هو بناء الدوله، لكنه الشرط الذى لا يمكن بدونه الانتقال من ادارة الازمه الى تاسيس السلام ومن ثم اعادة صياغة العلاقه بين الدوله والمجتمع فى اطار عقد اجتماعى جديد يؤسس لدوله مابعد الحرب.

خلفيه تاريخيه عن نشاة مفهوم العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي هو نظرية سياسية وفلسفية ظهرت خلال [عصر التنوير] في القرنين السابع عشر والثامن عشر لتفسير أصل السلطة ومشروعية الدولة عبر اتفاق افتراضي ينتقل به الأفراد من حالة الطبيعة الفوضوية إلى مجتمع منظم.وظهرت إرهاصات الفكرة المبكرة عند الفيلسوف اليوناني إبيقور، ثم ناقشها مفكرون في اليونان وروما مثل أفلاطون وشيشرون كنوع من الاتفاق المتبادل . إلا أن المفهوم بصورته الحديثة تبلور بصورة أساسية في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، في سياق البحث عن مصدر شرعية السلطة السياسية وحدودها وعلاقة الحاكم بالمحكوم.
ويُعد توماس هوبز من أبرز من وضعوا الأساس الحديث لنظرية العقد الاجتماعي في كتابه الليفياثان (1651). وانطلق من تصور لحالة طبيعية يسودها الصراع وانعدام الأمن، ورأى أن الأفراد يتنازلون عن جزء من حريتهم لصالح سلطة سياسية قوية تضمن الأمن والاستقرار.
ثم جاء جون لوك ليقدم تصوراً أكثر ارتباطاً بالحقوق والحريات. ففي كتابه رسالتان في الحكم المدني (1689)، اعتبر أن الأفراد يتمتعون بحقوق طبيعية، وأن السلطة السياسية تنشأ من رضا المحكومين لحماية هذه الحقوق. وإذا أخلت السلطة بوظيفتها، فإن شرعيتها تصبح موضع مساءلة.

أما جان جاك روسو فقد أعاد صياغة المفهوم بصورة أكثر ارتباطاً بـالإرادة العامة والسيادة الشعبية، ولا سيما في كتابه العقد الاجتماعي (1762). فالمجتمع السياسي المشروع، في تصوره، يقوم على اتفاق حر بين المواطنين، وتكون السيادة للشعب وليس للحاكم.

وهكذا انتقل مفهوم العقد الاجتماعي من كونه تصوراً فلسفياً لتفسير نشأة السلطة السياسية وشرعيتها إلى أحد المرتكزات الفكرية الحديثة لمفاهيم المواطنة، والحقوق، وسيادة الشعب، والدستور، والدولة القائمة على القانون.

وبالنسبة للسودان، يمكن الاستفادة من هذا التطور التاريخي للانتقال من السؤال التقليدي: كيف تنشأ السلطة؟ إلى سؤال أكثر ارتباطاً بواقع الدولة السودانية: ما طبيعة الاتفاق الذي ينبغي أن يجمع السودانيين حول شكل الدولة، والحقوق والواجبات، وتوزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يحقق دولة المواطنة والسلام والاستقرار.

وجدير بالذكر ان حزب الامه القومى قدم مشروع العقد الاجتماعى الجديد فى ٢٦ مارس ٢٠٢٠م لاصلاح قوى الحريه والتغيير انذاك .

مفهوم العقد الاجتماعى
لاشك فى ان أي مجتمع بشرى يتنوع فيه الناس دينيا واثنيا وثقافيا وفكريا ولكنهم يتعايشون مع بعضهم البعض وفقا لمايعرف بالعقد الاجتماعى اى التزام غير مكتوب يتناول حقوق وواجبات كل طرف، الخروج على هذا العقد يمثل انتهاكا لحقوق طرف،واخلالا بواجب طرف اخر مما يستوجب التدخل الحاسم لتصحيح الموقف. وهنا لابد من الاشاره بان هناك نوعين من العقد وهما العقد المباشر المكتوب والذى نحن بصدده والعقد غير المباشر الذى يعبر عن القيم والاتجاهات والمشاعر.

ومن هنا يمكن تعريف العقد الاجتماعى بانه مجموعه المبادىءو القواعد والتوافقات التى يتفق عليها السودانيين/ات لتنظيم شكل الدوله، طبيعة المواطنه، توزيع السلطه، توزيع الثروه والموارد، العلاقه بين المركز والاقاليم، حقوق الافراد والجماعات، ادارة التنوع، العداله والمصالحه، الامن والدفاع، التنميه الاقتصاديه، والتداول السلمى للسلطه، وبالتالى فان العقد الاجتماعى اوسع من الدستور لان الدستور يحدد كيف نحكم من خلال تنظيم مؤسسات الدوله، بينما يحدد العقد الاجتماعى كيف نعيش مع بعض من خلال تحديد الاسس والقيم التى تقوم عليها الدوله والمجتمع
دواعى ومبررات
الحوجه لعقد اجتماعى.

لقد اصبح واضحا لكل قارىء لتاريخ السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم بان العقد الاجتماعى القديم ان كان موجودا اصلا قد فشل فى مخاطبه كل ازمات البلاد بدءا بازمه الهويه الوطنيه والمركز والهامش وتوزيع الثروه والسلطه. بالتالى خلق دوله منتجه للازمات والحروب والتهميش حتى اصبحت الثقه معدومه مابين الدوله والمجتمع ومابين المركز والهامش ومابين العسكريين والمدنيين وبين مكونات المجتمع نفسه مما جعل البلاد على حافة الانهيار والتشظى وعليه اضحت هناك حوجه ضروريه لعقد اجتماعى جديد يؤسس لدوله المواطنه المتساويه حتى يشعر كل سودانى وسودانيه مهما كان موقعه الجغرافى أو أصله الاجتماعى أو انتمائه السياسي بأن الدوله دولته وحقوقه محميه بالقانون فى ظل معايير واضحه وشفافه فى تقاسم السلطه والثروه.

ان صناعة العقد الاحتماعى
فى تقديرى الشخصى ينبغى ان لاتكون صفويه بل يجب ان تخضع لمشاورات واسعه تشمل كافة قطاعات الشعب السودانى من خلال ثلاثه مراحل:

المرحله الاولى تتمثل فى الحوارات المجتمعيه على المستوى القاعدى المحليات والويات والاقاليم.

المرحله الثانيه تجميع كل الرؤى والافكار فى المؤتمر القومى للتوافق على مسوده العقد الاجتماعى الجديد.

المرحله الثالثه تضمين مسوده العقد الاجتماعى فى دستور البلاد.

ختاما
ينبغى ان نجعل من هذه الحرب المدمره فرصه لبناء دولةٌ يتساوى فيها المواطنون، ويعلو فيها القانون، ويترسخ فيها السلام، وتُصان فيها الكرامة، وتصبح فيها الدولة إطارًا جامعًا لكل السودانيين، والحاضر جسرًا إلى مستقبلٍ أفضل للأجيال القادمة فى ظل تحول مدنى ديمقراطى كامل وسلام عادل وشامل.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة