أعمدة ومقالات

تحولات الاستبداد وبنية التمكين: قراءة تفكيكية في مسار الكيزان السياسي بآثاره الكارثية على السودان

بقلم/ إيهاب الأمين

يمثل مسار الحركة الإسلاموية في السودان نموذجاً معقداً لتوظيف الشعارات الدينية في سبيل الهيمنة السياسية وإقصاء الخصوم وعلى مدى أكثر من أربعة عقود اتسم هذا الحراك بسلسلة من التحولات البراغماتية والانقلابات التي قوضت استقرار الدولة ومزقت نسيجها الاجتماعي وصنعت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخ السودان المعاصر وقد بدأت هذه الأزمات بشكل واضح في أواخر السبعينيات عبر ما سمي بالمصالحة الوطنية مع الرئيس جعفر نميري وهي خطوة استغلوها للتغلغل في مفاصل الدولة والقطاع المصرفي وفي سبتمبر من عام 1983 دفع التنظيم باتجاه إصدار قوانين سبتمبر والتي كانت عبارة عن توظيف مشوه للدين حيث طبقت عقوبات قاسية افتقرت لأدنى معايير العدالة وامتدت لتطال المواطنين المسيحيين من أبناء جنوب السودان مما أدى إلى تغذية النعرات الانفصالية وتجدد الحرب الأهلية، وبلغت أدوات الإقصاء ذروتها بالمشاركة في هندسة وتأييد المحاكمة السياسية الجائرة للمفكر الإسلامي ورئيس الحزب الجمهوري الأستاذ محمود محمد طه وإعدامه بسبب معارضته السلمية لتلك القوانين وهي الحادثة التي عكست عمق استهداف الأصوات الديمقراطية والتنويرية.
وعقب الانتفاضة الشعبية في أبريل من عام 1985 عاد التنظيم للمشهد السياسي باسم الجبهة الإسلامية القومية ورغم انخراطهم في العملية الديمقراطية إلا أن أدائهم اتسم بالمشاكسة والتعطيل الممنهج لأي مساع إصلاحية وفي نوفمبر من عام 1988 لاحت في الأفق فرصة تاريخية لوقف نزيف الدم عبر مبادرة السلام السودانية (اتفاقية الميرغني قرنق) التي حظيت بتأييد شعبي وسياسي واسع لكن التنظيم الكيزاني قاد حملة شرسة لرفضها ونسفها تفادياً لأي تفوق ديمقراطي يوقف الحرب ويهدد نموه الذي لا يمضي إلا على طريق الموت والدماء ولقطع الطريق على الجلسة المقررة لإقرار السلام في البرلمان نفذ التنظيم انقلاباً عسكرياً تحت غطاء الجيش بقيادة عمر البشير في سنة 1989 في خديعة شهيرة لخصها عراب الانقلاب حسن الترابي بعبارته اذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب إلى السجن حبيساً، وأسس التنظيم الكيزاني بعد ذلك نظام الإنقاذ الذي استند إلى العنف المؤسسي والتفكيك الممنهج لمؤسسات الدولة وطرد آلاف المهنيين والكفاءات الوطنية من وظائفهم في الخدمة المدنية والجيش والقضاء واستبدلوا بأعضاء التنظيم فيما عرف بسياسة التمكين والصالح العام كما شيد النظام معتقلات سرية عرفت ببيوت الأشباح مارس فيها أشد أنواع التنكيل والتعذيب النفسي والجسدي ضد السياسيين والنقابيين والناشطين مما أسفر عن مقتل وتشويه المئات وأطلق النظام آلة العنف في جنوب السودان وجبال النوبة تحت شعارات الجهاد ثم كرر الجريمة بشكل أوسع في إقليم دارفور منذ عام 2003 عبر استخدام ميليشيات حليفة مما أدى لمقتل أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن وتشريد الملايين وصدور مذكرات توقيف دولية من محكمة الجنايات الدولية بحق البشير وقادته بتهم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وأدت هذه السياسات الإقصائية والرفض المستمر للمواطنة المتساوية بجانب التعنت الأيديولوجي إلى تمزيق خارطة الوطن وانفصال جنوب السودان في عام 2011 وتزامن ذلك مع نهب منظم لعائدات النفط والذهب وتدمير أصول ومؤسسات القطاع العام التاريخية مثل مشروع الجزيرة والخطوط الجوية السودانية وتحويل الأموال لبناء إمبراطوريات مالية تابعة للتنظيم بالخارج فضلاً عن تحويل السودان إلى قاعدة خلفية للجماعات المتطرفة واستضافة قادتها كأُسامة بن لادن في التسعينيات مما أفضى لفرض عقوبات اقتصادية ودولية خانقة ووضع السودان بقائمة الدول الراعية لإرهاب لعقود ولم يستسلم التنظيم الكيزاني بعد سقوط واجهته السياسية في ثورة ديسمبر 2018 المجيدة بل أكدت الوقائع الميدانية والتحليلات السياسية إلى انخراطه في مسار تقويض الفترة الانتقالية وعرقلة الانتقال السلمي من خلال تحريك كوادره في الدولة العميقة لتعطيل الإصلاحات وصنع هزات أمنية مثل (تسعة طويلة) وصولاً إلى تأييد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 2021 لخلط الأوراق وبعد انسداد الأفق أمام عودتهم للسلطة وعبر استغلال التوترات بين الجيش وقوات الدعم السريع عملت الدوائر الأمنية والكتائب المسلحة التابعة للتنظيم مثل كتيبة البراء بن مالك على الدفع نحو الصراع المسلح وإشعال حرب أبريل من عام 2023 ويقف قادة الحركة الإسلامية صراحة اليوم ضد أي جهود تفاوضية إقليمية أو دولية لوقف الحرب متمسكين بخيار الحسم العسكري واستمرار القتال كغطاء سياسي وحيد يضمن لهم الوجود ويحمي مصالحهم غير مبالين بالانهيار الشامل للدولة وتشريد أكثر من أحد عشر مليون سوداني داخل وخارج البلاد وتوجت هذه الممارسات الممتدة بإصدار وزارة الخارجية الأمريكية في مارس من هذا العام 2026 قراراً رسمياً أدرجت بموجبه الحركة الإسلامية السودانية وجماعة الكيزان بالسودان كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص مستندة على أدوارها المثبتة في زعزعة الاستقرار وتأجيج العنف وعرقلت مساعي السلام الإنساني والسياسي في البلاد ويُظهر استقراء التاريخ المعاصر للسودان أن مشروع الحركة الإسلاموية لم يكن مشروعاً لبناء دولة أو نهضة بل كان تجربة راديكالية للاستحواذ على السلطة وحمايتها بأي ثمن ويبقى الوعي الشعبي الجمعي بآثار هذا الإرث الثقيل هو الركيزة الأساسية لتأسيس سودان المستقبل القائم على الديمقراطية والعدالة والمواطنة بلا تمييز.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة