❝ عندما يصبح خروج الحاكم السابق من بلاده ممكناً.. لا يعود السؤال: أين يعالج؟ بل: لماذا الآن.. ومن يريد خروجه؟❞
تقول الحكاية: حين دخل شاه إيران محمد رضا بهلوي الولايات المتحدة في أكتوبر 1979 للعلاج، كان مريضاً بالفعل.. لكن دخوله لم يبقَ شأناً طبياً. فبعد أقل من أسبوعين اقتُحمت السفارة الأميركية في طهران، وبدأت أزمة الرهائن التي استمرت 444 يوماً. تحول جسد الحاكم السابق المريض إلى جزء من أزمة دولة، وعلاقات دولية، وذاكرة ثورة.. وأصبح البلد الذي يستقبله، والبلد الذي يغادر إليه، جزءاً من حسابات سياسية وأمنية كبرى.
من المخلوع شاه إيران.. نعود إلى المخلوع البشير.
(1) من حق المخلوع عمر البشير أن يتلقى العلاج.. فالمرض لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة، وأخلاق السودانيين أكبر من أن تجعل من وجع المريض مناسبة للشماتة .. لكن حق العلاج لا يلغي حق العدالة، ولا يمنع السودانيين من السؤال: (لماذا الآن؟).. بعد أكثر من سبع سنوات على سقوط نظامه، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يظهر فجأة ملف إخراجه للعلاج خارج السودان.. قال محاميه محمد الحسن الأمين، إن البشير يحتاج إلى فحوص وإجراءات غير متاحة داخل السودان، وإن السلطات العسكرية وافقت مبدئياً على سفره، بينما أكدت أسرته لاحقاً أنها لم تتلقَّ إخطاراً رسمياً بالموافقة على السفر.. وهنا لا تعود المسألة طبية وحدها.. بل تصبح سؤالاً عن التوقيت، والجهة، وما وراء التوقيت.
(2) لكن السؤال الذي يفتح الباب على مصراعيه ليس: هل سيخرج البشير؟ بل: هل خرج رفاقه من السودان فعلا؟.. هنا ظهرت معلومة أكثر أهمية.. إذ أكد محامي البشير أن السلطات سهّلت سفر نائبه الأول السابق بكري حسن صالح إلى أنقرة للعلاج، وكشف عن وجوده خارج البلاد.. وتفيد المعلومات المنشورة بأن بكري ويوسف عبد الفتاح أُطلق سراحهما في أبريل 2025 لأسباب صحية.. أما عبد الرحيم محمد حسين، فتظل المعلومات المنشورة عن مكانه الحالي غير حاسمة.. والسؤال هنا لا يبحث عن الشماتة في مريض، ولا عن منع العلاج.. بل يبحث عن الصورة كاملة: (هل خروج البشير حالة منفردة.. أم حلقة في خروج أوسع لرموز النظام السابق؟).
(3) وبينما الناس كذلك، جاءت رواية أكثر إثارة.. إذ أكدت صحيفة (إدراك) نقلاً عن مصدرين لم تسمهما، أن البشير غادر السودان سراً إلى أنقرة برفقة بكري حسن صالح وعبد الرحيم محمد حسين ويوسف عبد الفتاح، ووصفت الأمر بأنه (إخراج سري).. هذه هي الرواية الصحفية بدون اي “رتوش”.. لكن هذه الرواية اصطدمت لاحقاً بمعلومات أخرى تؤكد نقل البشير إلى مستشفى علياء العسكري في الخرطوم، وبنفي أسرته حصوله على إذن رسمي بالسفر. وهكذا ارتبكت الروايات.. واحدة تقول إنه خرج، وأخرى تقول إنه لا يزال في الخرطوم.. وهنا تبدأ مهمة الصحافة الحقيقية للإجابة على السؤال:(أين الحقيقة؟.. ومن يملك المعلومة التي لم تُعلن بعد؟.. ولماذا تصمت الدولة؟).. فالصحافة لا تصنع الحقيقة من الشائعات.. لكنها أيضاً لا تسمح للشائعات بأن تحجب السؤال.
(4) والسؤال الصحي نفسه يحمل مفارقة موجعة.. البشير، الذي حكم السودان ثلاثة عقود، كان قادراً على الوصول إلى العلاج خارج البلاد، وقد فعلها أكثر من مرة، بينما كان ملايين السودانيين يعانون من منظومة صحية ظلت تعاني الهشاشة حتى جاءت الحرب لتكشف ضعفها وتجهز على ما تبقى منها.. وحري بالقول هنا أن منظمة الصحة العالمية تقول، إن 21 مليون سوداني يحتاجون إلى خدمات صحية ملحة، وإن 37% من المرافق الصحية في الولايات السودانية الثماني عشرة غير عاملة.. هنا يصبح المرض الفردي صورةً من صورة المرض العام.. رئيس سابق يبحث عن مستشفى خارج السودان.. ومواطن سوداني يبحث عن مستشفى داخل السودان.
(6) ثم يأتي السؤال السياسي الأصعب:” هل نحن أمام ملف طبي فقط.. والسؤال الأكبر: هل هناك ترتيبات تجري في الخارج للمرحلة المقبلة؟”. هذا السؤال يفتح أبواباً واسعة.. فواشنطن تدفع باتجاه مسار لوقف إطلاق النار ومفاوضات سياسية، وفي ظل هذا الحراك يصبح من المشروع التساؤل:(هل لدى البشير معلومات عن ترتيبات غير معلنة؟ هل يخشى أن تحمل المرحلة المقبلة ملفات جديدة؟.. وهل يريد تأمين نفسه خارج السودان قبل أن تتغير قواعد اللعبة؟).. لا توجد، حتى الآن، أدلة منشورة تثبت أن طلب العلاج جزء من صفقة، أو أن البشير يعرف (طبخة) أميركية محددة. لكن التوقيت، مع وجود بكري حسن صالح في تركيا، وظهور رواية تتحدث عن خروج مجموعة من رموز النظام السابق، يبرر سؤالاً مشروعاً:(هل تجري ترتيبات أوسع في الخارج؟.. وهل تريد جهات ما تأمين خروج رموز النظام قبل تغير قواعد المرحلة المقبلة؟). السؤال هنا لا يقدم إجابة.. لكنه يطالب من يملك الإجابة بأن يخرج من الصمت.
(7) وتبقى تركيا في قلب السؤال والمشهد.. فإذا كان بكري حسن صالح ورفاق آخرون قد أصبحوا في أنقرة للعلاج، وإذا كانت تركيا إحدى الوجهات التي ترد في الروايات المتداولة، فماذا يحدث إذا تحول العلاج إلى إقامة؟ وماذا سيكون موقف أنقرة إذا جاءت سلطة سودانية جديدة وطالبت بعودة رموز النظام السابق؟.. ثم ماذا عن المحكمة الجنائية الدولية؟.. البشير مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بمذكرتي توقيف صدرتا في 2009 و2010، وتشملان اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، بينما أحال مجلس الأمن ملف دارفور إلى المحكمة بقراره 1593 الصادر في 31 مارس 2005، داعياً إلى التعاون معها.. صحيح أن تركيا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي.. لكن ذلك لا يمحو السياق الدولي الذي نشأ عن إحالة ملف دارفور إلى المحكمة بقرار من مجلس الأمن.. وهنا يصبح أي خروج للبشير من السودان أكبر من رحلة علاج.. لأنه يفتح سؤال المكان، والإقامة، والالتزامات الدولية، وما إذا كان العلاج محطة مؤقتة أم بداية لمسار آخر.
ما نود قوله هنا بسيط وواضح: البشير له حق العلاج.. لكن للسودانيين حق السؤال.. والسؤال لم يعد عن مريض يريد مستشفى أفضل.. بل عن رئيس سابق حكم ثلاثين عاماً، وعن دولة أنهكتها الحرب، وعن قطاع صحي كان هشاً قبل الحرب ثم تلقى ضربتها القاصمة، وعن رموز للنظام السابق خرج بعضهم من السودان، وعن مرحلة سياسية جديدة تلوح في الأفق وسط ضباب كثيف.. فإذا كان العلاج هو كل الحكاية.. فليُقل ذلك بوضوح.. أما إذا كان هناك من يريد إخراج البشير.. فالسؤال الذي يطرق الأبواب بقوة:(لماذا يريدون إخراجه الآن؟)
ومضة:
حين خرج الشاه من إيران، لم يكن جسده المريض هو الشيء الوحيد الذي عبر الحدود.. عبر معه تاريخ دولة كاملة، وظلت كل دولة تفتح له باباً تسأل نفسها: ماذا يعني أن يستضيف بلدٌ حاكماً سابقاً؟ وماذا يمكن أن يترتب على وجوده فوق أرضها؟.. ثم تحولت إقامته الطبية إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية في القرن العشرين. وفي السودان، قد يكون البشير مريضاً حقاً.. وهذه مسألة إنسانية لا جدال فيها.. لكن التاريخ لا يسأل عن المرض وحده.. يسأل عن رئيس دولة خرج بكل ملفاتها وأسرارها، بينما يحتفظ البلد بملفات قضائية مفتوحة. ويسأل أيضاً: من فتح الباب؟ ومن ينتظر خلفه؟
توقيع أفق الحرف:
أفق يترفق باتساعه ليقول: إذا خرج الرفاق، وكل القيادات واحداً تلو الآخر.. فلماذا يريدون إخراج البشير الآن؟