لدينا إرث كبير وقديم من العنف المدني، وأقصد به العنف الذي يمارسه المدنيون ضد بعضهم بعضًا في منابر الحوار وحلقات النقاش والليالي السياسية. صحيح أن معظمَه لم تُستخدم فيه أسلحة، وكانت أسلحته الهتافات واللكمات وتخريب المناسبات، وفي أقله استُخدم السلاح الأبيض. وفي الأجواء المتوترة التي خلقتها الحرب وحالة الشقاق الاجتماعي التي أوجدتها، يتم استعادة هذه الأجواء والتجارب بشكل متكرر في مواجهة الرأي الآخر ومن نعتبرهم يقفون في الضفة الأخرى من النهر. هذا الأمر غير مقبول بالتأكيد، ويحتاج إلى جهد كبير لمعالجته وتغييره. لكن غير المتوقع وغير المقبول تمامًا أن تنتقل هذه الممارسات إلى بلاد أجنبية عرفت حرية التعبير واحترمت حق الاختلاف، وهاجر إليها السودانيون بحجة أنهم يتعرضون للاضطهاد في بلادهم، وكتبوا في طلبات اللجوء أنهم يبحثون عن الحماية وأجواء الحرية وحرية التعبير. فمن باب أولى، والتزامًا وتقديرًا لحق اللجوء الذي منح لهم، أن يكونوا الأكثر حرصًا على هذا الشعار، والأكثر حساسية تجاه أي عمل منافٍ له. شاهدنا حالات اعتداء من مواطنين سودانيين ضد سودانيين آخرين لمنعهم من التجمع والتظاهر والتعبير عن آرائهم، واقتحام التجمعات والندوات لتخريبها وإفشالها، وتجنيد الناس وتحريضهم، وفي أحايين أخرى شراء بعضهم ليقوموا بهذه الأدوار التخريبية. وشاهدنا، في مواقف أخرى، أعمال عنف مباشرة تستوجب التجريم والعقاب. إذا كانت المواقف معروفة، والاصطفافات قد تكوّنت بناءً على عوامل كثيرة، فلن تفلح كلمة هنا أو هناك في تغييرها، فما المغزى وراء اقتحام المنابر واستفزاز الحاضرين؟. وبالمقابل، طالما مُنح المنبر لشخص ما، حتى وإن كان مخالفًا في الرأي، فما الضير من تركه يعبر عن رأيه وينهي حديثه، أيًّا كان؟. ما زلنا نحتاج إلى دروس أولية في مبادئ حرية التعبير واحترام الرأي المخالف. وليس من الضروري أن تموت دفاعًا عن حق المختلف في إبداء رأيه، كما يُنسب إلى فولتير أنه قال، فهذا أمر بعيد المنال، لكن فقط فلتؤمن بحقه في أن يختلف ويقول رأيه، ثم دعه يقوله، وتمتع أنت بالحياة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. من المؤسف والمؤلم أن يكون سجلّ السودانيين في قبول حق الاختلاف بهذا السوء، والمؤلم أكثر أنه يحدث في بلاد تنوء الآن بحمل ثقيل من قضايا المهاجرين، وتكثر فيها النقاشات، وتقوى فيها الأصوات المعادية للهجرة والمهاجرين. وها نحن نوفر لهم سببًا إضافيًا يعضدون به حملة الكراهية للأجانب، ويكررون أننا ننقل إلى بلادهم حملات التعصب والكراهية والضيق بالتقاليد الديمقراطية. ما أسهل أن يرى المواطن الغربي منظر شجار كهذا، ثم يقول: سحقًا للمهاجرين الذين منحناهم الفرصة ليتعلموا، لكنهم لم يتعلموا شيئًا، ثم يذهب ليصوّت لأحزاب اليمين المتطرف التي تسن قوانين تجعل نهارات المهاجرين ليالي سوداء من التضييق والعنف.