أعمدة ومقالات

مدن الأشباح

عصب الشارع
صفاء الفحل

أسوأ ما أنتجته هذه الحرب العبثية في الفترة الأخيرة هو عمليات تصفية المدنيين الذين لا علاقة لهم بالقتال، فما إن يحتل أحد أطراف الحرب إحدى المدن حتى يبدأ في تصفية كل من (يُشتبه) بأنه قد قام بدعم الطرف الآخر من المدنيين أثناء فترة تواجده بالمنطقة تحت العديد من الذرائع وأكثرها شيوعاً (الشفشفة) والوجوه الغريبة، رغم أن المقاتلين من الطرفين هم الشفشافة أنفسهم، وقد تدخل فيها عمليات انتقام وثارات قديمة أو تصفية لأشخاص لأغراض شخصية..

وما يخسره المدنيون والأعداد التي تموت منهم عند اكتساح مدينة يفوق وفيات مقاتلي الطرفين أحياناً، كذلك فإن تلك الأعمال الانتقامية تسهم في تمزيق اللحمة الاجتماعية والغبن بين السكان من خلال عمليات (الوشاية) المتبادلة، وكل المدن التي تبادل فيها الطرفان الاحتلال تصبح (مدناً للأشباح) ومن المستحيل إعادة الحياة الطبيعية إليها، فالعاصمة نفسها ورغم الجهود الجبارة لمحاولة إعادة الاستقرار ما زالت تعاني حتى اليوم من عمليات الوشاية والفتن التي زرعتها الحرب، فما بالك ببعض المدن التي تعاني أصلاً من فتن قديمة متوارثة..

وعمليات نشر مقاطع التصفيات والإهانة والتعذيب التي يمارسها مقاتلو الطرفين بنشوة من خلال الوسائط افتخاراً وعزةً بالإثم أحياناً، أو محاولة إثبات وحشية الطرف الآخر أحياناً أخرى، لها تداعيات مستقبلية خطيرة في تمزيق اللحمة الاجتماعية، بالإضافة إلى أنها تزيد من الممارسات الوحشية الانتقامية ضد المدنيين العُزَّل الأبرياء، فدائماً ما تقابلها عمليات انتقامية من الطرف الآخر، ولن نقول إنها تنقل للعالم وحشية وقذارة هذه الحرب التي أصبحت بلا ضوابط أو أخلاق..

إن لم تكن (ضرورة إيقاف الحرب) تكمن في الحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية أو الحفاظ على أرواح المواطنين الأبرياء، فإن تحول العديد من مدن البلاد إلى مدن أشباح يصعّب الحياة فيها لسنوات قادمة للفتن والصراع المكبوت داخلها، فالفتنة كانت نائمة لعن الله من أيقظها وغذاها وأشعل هذه الحرب وما زال يعمل على أن تواصل إحراق الوطن، واللعنة على الغافلين عن تداعياتها المستقبلية، أو أنهم يعلمون ولكنهم يريدون ذلك بعد أن قالوها: «يا نحن أو لا وطن».. ولكن رغم كل شيء فإن الوطن باقٍ وهم من سيذهبون إلى مزبلة التاريخ..
والثورة لن تتوقف وستظل مشتعلة.
والمحاسبة قادمة لكل من أجرَمَ في حق الوطن.
والرحمة والخلود لشهدائنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة