أعمدة ومقالات

إِلَى الخَالِيُوتِيِّينَ الجُدُد.. بَرِقِيَّةٌ مِنْ البَرْكَلِ لِسُودَانِ اليَوْمِ؟!

الجميل الفاضل يكتب:

في السودان الآن، بيوتٌ أُغلقت قبل أن يكتمل فيها الوداع، وأمهاتٌ يُجِلْنَ النظر التائه في الطرقات، وأطفالٌ صاروا يعرفون أسماء المدن من أفواه البنادق.
الجوع يمشي حافياً بين الناس، والنزوح يحمل البيوت على ظهره، والوطن نفسه كأنه يبحث عن جبل يأويه من طوفان هذا الدم.
وسط هذا الخراب، تصلنا برقيةٌ موقوتة من جبل البركل، لم يحملها إلينا ساعي بريد، ولا قطعت بها قافلةٌ طريقاً.
الأمير خاليوت بن بعانخي شخصياً هو الذي أرسلها لنا عن عمد من قديم الزمان.
كان قد نحتها أول شيء على الحجر قبل ثمانيةٍ وعشرين قرناً، ثم عنونها مباشرةً لمن سيأتون بعده على هذه الأرض.
ولذا فها نحن لا نملك إلا أن نقول له: لقد وصلتنا اليوم برقيتك أيها الجد الأمير المُبجَّل.
رغم أن خاليوت لم يكن يعرف وقتها الخرطوم، ولا دارفور، ولا أسماء حروبنا المتطاولة تلك، لكنه ربما عرف سر هذا الجرح أيضاً من زمن بعيد.
عرف أن نوع بلادنا لا يبدأ في السقوط عندما تنهار جدرانه، إنما حين يسقط بالضبط ميزان العقل داخل إنسانه.
لذلك كتب: لا تكذب، لا ترتشِ، لا تحكم بغير الحق، ولا تسلب الضعيف، أطعم الجائع، اسقِ من به عطش، واترك للرحمة مكاناً حتى وأنت في ذروة قوتك.
يا لها من وصيةٍ تصلنا وكأنها كُتبت للتو على متن خبر عاجل.
فماذا يعني إذن قوله «أطعم الجائع» في بلدٍ صار الجوع فيه وجهاً للحرب؟
وماذا يعني «لا تظلم» لمن حمل آلامه على كتفيه؟

وماذا يعني «لا تكذب» عندما تستطيع كلمةٌ واحدة أن تقتل مدينة كاملة؟
هنا يخرج خاليوت من الحجر، لا ليعيد كوش، لكن ليضبط لنا اختلال ميزان حياتنا الحاضرة.
وللحقيقة، فالخاليوتيون الجدد ليسوا بالضرورة أحفاد خاليوت بالدم، ولا أتباعه بالاسم.
إنما هم الذين، عندما تقع القوة في أيديهم، لا يسقط الضعيف تحتها.
الذين لا يجعلون الجوع سلعةً، ولا الحقيقة غنيمةً، ولا الإنسان عدواً لأنه مختلف.
الذين يعرفون أن الوطن ليس تراباً فقط، إنما هو طريقةٌ نحفظ بها حياة من يمشي على هذا التراب.
وكأن البرقية تقول: لقد تهدمت أشياء كثيرة في سودانكم الراهن، لكن أخطر ما يبدو أنها تخشاه هو أن يتهدم الإنسان نفسه تحت هذا الركام.
لذلك تأتي البرقية – في ظني – لا لتقول: عودوا إلى الماضي، إنما عودوا إلى الإنسان القابع في جيناتكم منذ قرون.
هي برقيةٌ لم يكن الزمن يعبرها، إنما هي التي كانت تعبر الزمن: من نبته إلى جرحنا الدامي، من حجر البركل إلى يدٍ تبحث اليوم عن خبز، من خاليوت إلى من يستطيع الآن أن يختار بين قسوته وبين الإنسانية.
ثمانيةٌ وعشرون قرناً وهي تمشي نحونا في الطريق، لكنها لم تخطئ دربها في نهاية المطاف.
وبالتالي فإن السؤال لم يعد: ماذا قال خاليوت فحسب؟ بل: ماذا سنفعل نحن بما قال هذا الرجل المدهش؟
ومن هذه اللحظة الإدراكية، يتوجب أن يبدأ خاليوتيون جدد، من قول خاليوت ذاته الذي جاءنا مشفَّراً عبر القرون إلى عنوانه اللحظي الصحيح:
«إني لم أقترف الكذب، فهو مقت الآلهة.
ولم أسلب عامة الشعب حقوقهم، ولم أرتكب ظلماً.
ولم يمل قلبي إلى البغي أو إلحاق الضرر بالضعفاء والمساكين.
ولم أقتل إنساناً زوراً وبهتاناً دون ذنبٍ جناه.
ولم أقبل رشوةً لارتكاب إثمٍ أو تجاوز.
ولم أُسلِم عبداً أو خادماً لسيده ليُسام سوء العذاب.
ولم أرتكب الخيانة أو الفاحشة.
ولم أقضِ في مظلمةٍ أو قضيةٍ بغير الحق.
ولم أصطد طيور الآلهة المقدسة.
ولم أذبح صغار بهائم الإله.
ولم أستولِ على أوقاف الآلهة وممتلكاتها، بل قدمت العطايا والخيرات لجميع الآلهة والإلهات.
أعطيت الخبز للجائع، والماء للعطشان، والكساء للعاري.
فعلت كل هذا في الحياة الدنيا، سالكاً سبل الآلهة، ومتجنباً ما يبعث على مقتهم، ابتغاء حسن الخاتمة والطيب من الأثر؛ ولتكون حجةً وسنةً لمن يولدون بعدي في هذه الأرض إلى أبد الآبدين.»
تصور أنه يقول: لمن يولدون بعدي في هذه الأرض الي أبد الآبدين.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة