أعمدة ومقالات

من إنكار الأزمة إلى تكرار الفشل: ترلة العسكر لا تبني وطناً


د/ الأمين بلال مختار alaminmukhtar@hotmail.com
october/4/2026
خلال فترة حكم الإنقاذ سيئة الذكر، خرج علينا أحد وزرائها بتصريح أثار موجة من السخرية والاستهجان، حين تساءل عن مكان الأزمة، موحياً بأنه لا توجد أزمة في البلاد أصلاً. كان ذلك الوزير يتحدث من برج عاجي، بينما كان المواطن البسيط يقف في صفوف الخبز والوقود والغاز، ويكتوي بنار الغلاء وانعدام الخدمات. لقد كانت تلك المقولة تجسيداً حياً لعقلية الإنقاذ التي كانت ترى أن إنكار الواقع يكفي لمحوه.

واليوم، وبعد سنوات من الثورة والتضحيات، يعيد التاريخ نفسه بحذافيره، وبنفس العقلية ونفس اللغة. فقد خرج علينا رئيس وزراء حكومة الانقلاب، كامل إدريس، ليعلن بكل ثقة زائفة أنه لا توجد أزمات، ولا مشاكل في المواد البترولية، وأن على الأعداء أن يشاهدوا الإنجازات. وما هي إلا سويعات قليلة حتى انكشفت الحقيقة عارية أمام الجميع، وظهرت الأزمات الطاحنة، وغابت المواد البترولية وكل السلع المرتبطة بها.

إن هذا التناقض الصارخ بين القول والواقع ليس مجرد زلة لسان، بل هو منهج متكامل في التضليل. فالبترول ومشتقاته ليس سلعة هامشية، بل هو عصب الحياة الاقتصادية وشريانها. غيابه يعني توقف وسائل النقل، وتعطل المخابز والمستشفيات، وشلل القطاع الزراعي والصناعي، وارتفاع جنوني في أسعار كل شيء. فكيف يدعي من يجلس على كرسي رئاسة الوزراء أنه لا توجد مشكلة؟

إن هذا الإنكار الفج دليل قاطع على الانفصال التام عن معاناة الشعب، وعلى عقلية الاستبداد التي تعتبر الاعتراف بالفشل خيانة، بينما ترى الكذب على المواطنين حكمة سياسية. لقد أثبتت التجربة أن الأنظمة التي تبني شرعيتها على الوهم لا تلبث أن تنهار تحت وطأة الحقيقة.

والحقيقة الكبرى التي يتهرب منها هؤلاء هي أنه في ظل استمرار الحرب، وتفشي الفساد، وهيمنة الاستبداد، وتغول العسكرة، وانتشار التمليش، وتعمق الانقسام الوطني، لا يمكن أن يُبنى وطن. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات الجوفاء ولا بالخطب الحماسية، بل بالصدق في تشخيص الداء، والشجاعة في وصف الدواء.

إن الفشل الذريع الذي نعيشه اليوم يتحمله الحاكمون فعلياً، وهم بقايا الكيزان وفلول الإنقاذ، وعلى رأسهم البرهان الذي قاد البلاد إلى هذه الهاوية بانقلابه المشؤوم. ومعه كامل إدريس، الذي لم يكن سوى واجهة مدنية لسلطة عسكرية، ترلة يجرها العسكر حيث يشاؤون. وهو فوق ذلك فاشل بدرجة امتياز، عاجز عن إدارة أبسط ملفات الدولة، يستحق السخرية والتهكم والمضحكة على أدائه البائس.

إننا نؤكدها بوضوح لا لبس فيه: الحل والتغيير الحقيقي لا يكمن في ترقيع سلطة الانقلاب، ولا في تدوير الفاشلين والمتسلقين، ولا في المسكنات الاقتصادية المؤقتة. الحل الجذري يتمثل في وقف الحرب فوراً، وتحقيق السلام الشامل العادل، وإرساء العدالة ومحاسبة المجرمين، وضمان الحريات العامة، وإقامة الحكم المدني الديمقراطي الكامل، وبناء الجيش الواحد المهني القومي الذي يحمي حدود الوطن ولا يتدخل في السياسة ولا يحكم الشعب.

وأي طرح آخر يتجاوز هذه الثوابت، أو يحاول الالتفاف عليها، ليس إلا هروباً مفضوحاً من جوهر الأزمة، ومحاولة يائسة لإطالة عمر نظام متهالك فقد شرعيته ومبرر وجوده.ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة