أعمدة ومقالات

وطن الجدود في محرقة البنادق.. صرخة لوقف الحرب والعودة إلى (أنا سوداني أنا)..

بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك

​حين صدح صوت الموسيقار محمد وردي بنشيد (اليوم نرفع راية استقلالنا)، لم يكن ذلك الإعلان مجرد احتفاء برحيل المستعمر الأجنبي، بل كان تدشيناً لعهد وطني مقدس يعاهد فيه السودانيون أنفسهم على صون سيادتهم وكرامتهم وحماية حريتهم التي انتُزعت بالدماء… وجاء هذا العهد امتداداً لوصية باكرة أودعها الرعيل الأول في ضمير الشعب بصوت الثنائي ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة في نشيد (جدودنا زمان وصونا على الوطن)، ذلك النشيد الذي حذر الأجيال من التفريط في تراب وطن دفعت فيه اثمانا غالية، وهو ذات القسم الذي أصل له الفنان عثمان الشفيع بشجنه الصادق في (وطن الجدود نفديه بالأرواح نجود)، ليجعل من حماية الأرض فريضة وجودية لا تقبل التراجع، حتى بلغت ملحمة الوجدان ذروتها بصوت الفنان حسن خليفة العطبراوي وهو يهتف “أنا سوداني أنا”، لتصبح الهوية سياجاً جامعاً يذيب الفوارق القبلية والجهوية في اغنية يا بلدي يا حبوب التي تغنى بها وردي في أبهى تجلياته.

​غير أن نشيد الاستقلال العظيم يجد نفسه اليوم مخنوقاً بالدخان وتحت وطأة القصف العنيف، في حرب مستعرة قادتها عقول مغلقة لا تعرف كنه الوطن ولا تقدر قدسية التراب. إن ما يدور اليوم من اقتتال عبثي هو نكوص مأساوي عن روح الاستقلال وضربة في خاصرة وصية الأجداد؛ فالقذائف التي تهدم المشافي وتدمر البنى التحتية، والرصاص الذي يحصد أرواح الأبرياء ويهجر الملايين، هو استعمار داخلي جديد يمارس القهر والتنكيل بحق الشعب السوداني باسم معارك سلطوية زائفة. لقد تحول الفخر المكنون في عبارة “أنا سوداني” إلى ساحة للمزايدات وتصفية الحسابات السياسية والتمترس الجهوي الأعمى، وأُخرس صوت “يا بلدي يا حبوب” بأصوات المدافع، في مشهد سوريالي يخون تضحيات شهداء التحرير ويسلم البلاد إلى حافة التمزق والضياع التام.

​إن راية الاستقلال لا يمكن أن ترفرف بكرامة فوق ركام المنازل وجثث الضحايا ومخيمات اللجوء، مما يجعل هذا الجيل مسئول مسئولية وطتية وسياسية تقتضي رفع الصوت عالياً بصرخة حاسمة تدعو لوقف هذه الحرب اللعينة فوراً وبلا قيد أو شرط، فحماية الوطن اليوم لا تتحقق بالانتصار العسكري الموهوم على دماء أبناء الشعب، بل بإسكات فوهات البنادق، وكسر شوكة الخطاب الإقصائي، والعودة إلى جادة العقل عبر عملية سياسية شاملة تُعلي قيم المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون. لقد آن الأوان لكي نبر بقسم الجدود ونصون ما تبقى من أرضنا وإنساننا، فنسترد نشيد الاستقلال من تحت نيران القصف، ونعيد للكرامة الوطنية معناها الحقيقي لكي تصبح مقولة “أنا سوداني” عنواناً للسلام والحرية والعدالة، لا شعاراً يُغتال على مذبح الصراعات العبثية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة